قرأت تغريدة أخي الدكتور محمد القويز بعنوان “لماذا أنا متفائل؟” ، التي عبّر فيها عن ثقته بمستقبل المملكة العربية السعودية رغم ما تمر به المنطقة من ظروف بالغة التعقيد، ووجدتني أتفق معه في كثير مما ذهب إليه. وأقول له: وأنا متفائل أيضًا، ليس لأنني أقلل من حجم الأخطار، وإنما لأنني أرى في هذه المرحلة، على قسوتها، فرصًا قد لا تتكرر، ودروسًا تستحق أن نتوقف عندها.
وقد علمتني سنوات طويلة في العمل العام أن الأزمات ليست شرًا مطلقًا، وأن بعض ما نخشاه اليوم قد يكون سببًا فيما نحمد الله عليه غدًا. وللعرب حكمة بليغة تقول: ” الخير في معاطف الشر”، وهي أقرب ما تكون إلى وصف ما نشهده اليوم، او كما اكرر دائما ” تحويل المحن إلى منح”.
وأول أسباب تفاؤلي أن هذه المرحلة كشفت من المواقف ما لم تكن لتكشفه سنوات من اللقاءات والبيانات والمجاملات السياسية. فقد عرفنا من يقف معنا حين تتعرض مصالحنا وأمننا للخطر، ومن يكتفي بالكلمات، ومن تحكم مواقفه حسابات أخرى. و صدق الامام الشافعي عنما قال :
“جزى اللهُ الشدائدَ كلَّ خيرٍ
وإن كانت تُغصِّصُني بريقي
وما شكري لها حمدًا ولكنْ
عرفتُ بها عدوّي من صديقي”.
وفي السياسة، كما في الحياة، لا تكفي الوعود لمعرفة حقيقة العلاقات ، غير أنني لا أدعو إلى تحويل الاختلافات إلى خصومات دائمة، فالدول لا تدير علاقاتها بالعواطف، ولا ينبغي أن تفعل، ما أراه ضروريًا أن تحتفظ المملكة بذاكرة سياسية دقيقة، ترصد المواقف وتضعها في حساباتها حين تعيد ترتيب شراكاتها ومصالحها، فمن وقف معنا في الشدة يستحق أن يكون لموقفه وزن، ومن اختار غير ذلك ينبغي ألا نتجاهل موقفه حين تعود أيام الرخاء.
وأجد في هذه الظروف فرصة لتعزيز استقلال القرار السعودي، وتوسيع خيارات المملكة، وبناء علاقات دولية أكثر توازنًا و توظيف القوى الناعمة بشكل افضل واقوى. فالعالم يتغير، والتحالفات تتبدل، وليس من الحكمة أن نعتمد في حماية مصالحنا على حسن نيات الآخرين، وأفضل ضمانة لاستقرار علاقاتنا أن تصبح مصلحة شركائنا في قوة المملكة وازدهارها أكبر من أي مصلحة قد يرونها في إضعافها.
وقد قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].
وأنا مطمئن إلى مستقبل المملكة لما تملكه من عمق ديني وتاريخي، ومكانة سياسية واقتصادية، وقيادة واعية بحجم التحولات، وشعب أثبت تماسكه في أوقات الشدة، لكن التفاؤل لا يعني الاعتقاد بأننا لا نخطئ، أو أننا لسنا بحاجة إلى مراجعة بعض قراراتنا وسياساتنا، فقد تعلمت من تجربتي أن الاعتراف بالخطأ ومعالجته في الوقت المناسب من أهم أسباب النجاح، وأن أخطر ما قد يصيب المؤسسات هو اعتقادها أنها فوق المراجعة.
ومن هنا، فإنني أرى أن المرحلة تستدعي مزيدًا من الاستثمار في الإنسان السعودي، ورفع كفاءة المؤسسات، وتوطين المعرفة والتقنية، وتعزيز قدراتنا الدفاعية والاقتصادية، حتى نكون أقل اعتمادًا على الآخرين وأكثر قدرة على حماية مصالحنا.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن نمنح الأبواق الهدامة والمرجفين في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل سلطة تشكيل وعينا، فهناك فرق بين النقد المسؤول الذي نحتاج إليه، والتشكيك الذي يتغذى على الشائعات ويتمنى الإخفاق، وأفضل مواجهة لهذا الخطاب هي المعلومة الصادقة والوضوح مع المواطن، الذي أثبت أنه أكثر وعيًا مما يتصور بعض من يحاولون التأثير عليه.
ويبقى سبب آخر لتفاؤلي، يتجاوز السياسة إلى قيمة الوطن في حياة الإنسان.
لقد عشت ودرست وعملت في مجتمعات مختلفة، والتقيت بأشخاص بلغوا أعلى مراتب العلم والمال والجاه، وازددت مع السنوات اقتناعًا بأن ذلك كله لا يعوض الإنسان عن وطن يشعر فيه بالأمان والانتماء.
وما نشهده في الولايات المتحدة وأوروبا من تصاعد الجدل السياسي حول الهجرة والهوية والانتماء يذكرنا بهذه الحقيقة، فهناك من أمضى عقودًا في خدمة تلك المجتمعات، وأسهم في تقدمها العلمي والاقتصادي، ثم وجد نفسه أمام خطاب سياسي يشكك في مكانة المهاجرين أو مستقبل بعضهم، مع اختلاف أوضاعهم القانونية، إنها مشاهد تذكرنا بأن المال والشهادات والمناصب لا تكفي وحدها لتمنح الإنسان الطمأنينة.
وما أصدق قول الشاعر:
“بلادي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ
وأهلي وإن ضنّوا عليَّ كرامُ”.
فالوطن أكبر من الأشخاص والمناصب، وأبقى من الخلافات والأخطاء. وحبه لا يعني السكوت عن التقصير، وإنما الحرص على إصلاحه وحماية مكتسباته ومستقبل أجياله.
وأعود إلى أخي الدكتور محمد القويز لأقول: أنا متفائل أيضًا، وربما أكثر مما كنت قبل هذه الأحداث، فقد علمتني التجربة أن الشدائد تكشف الحقائق، وأن حسن قراءة الأزمات قد يحول خسائرها إلى مكاسب للمستقبل.
وأملي أن نخرج من هذه المرحلة أكثر وعيًا بمصالحنا، وأدق تقديرًا لعلاقاتنا، وأشد حرصًا على وحدتنا الوطنية، فالمملكة العربية السعودية تستحق منا أن نحمي حاضرها، وأن نبني مستقبلها، وأن نتذكر دائمًا أن عز الإنسان وكرامته وأمانه تبدأ من وطنه.
ولعل أعظم ما تعلمنا إياه هذه الأيام أن نعرف قيمة الوطن ونحن ننعم به، لا بعد أن نفقده.
ولهذا كله، أنا متفائل أيضًا.

