قبل أربعة عقود تقريباً في (4/9/1410هـ) نشرت مقالاً في ذلك الوقت في صحيفة (عكاظ) بعنوان: (طموحات الأهل تقصم ظهر الجنسين: الشباب ضحايا التكاليف، والبنات ضحايا الصمت). كان المقال صرخة تنبه المجتمع إلى غلاء المهور ومظاهر الاستهلاك في الأفراح. واليوم، وبعد مرور 40 عاماً، أتساءل بمرارة: هل حدث تغير إيجابي؟ أم أن الجرح تعمق وتحول إلى وباء اجتماعي؟
لقد تردد الحديث مؤخراً عن غلاء المهور ومشكلة العنوسة والعزوبة، والحقيقة أن هذا الموضوع ليس مجرد (قضية اجتماعية) تناقش في الندوات، واللقاءات بل هو جرح إنساني ينزف يومياً في بيوتنا. الزواج في جوهره هو توفير الحياة المستقرة وتلك المودة والرحمة التي أشار إليها الحق جل وعلا: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا). ولكن ما يحدث اليوم هو نقيض السكينة.
عندما يتقدم شاب لخطبة فتاة، لا يفاجأ فقط بطلب مهر قد يتجاوز مئات الآلاف، بل يفاجأ بـ (سجل مطالب) يشبه قوائم الشركات الكبرى ذهب لا يلبس وعطورات عالمية وشقق فاخرة وسيارات والأدهى والأمر ما يعرف (بصناعة الأفراح) التي تحولت إلى تجارة تستغل مشاعر الأسر لإقامة حفلات في قاعات وقصور لا يدفع ثمنها إلا بديون تستمر لسنوات. وهنا تتبلور المأساة الإنسانية من خلال ذلك الشاب المسكين الذي يبني طموحه وحياته حيث يجد نفسه أمام جدار منيع من المطالب المادية. فيصاب بـما يشبه (صدمة الرفض المالي) التي تكسر شوكته وتزرع فيه الشعور بالدونية والعجز. فيلجأ إما للهروب من الزواج نهائياً أو ربما للزواج من خارج البلاد أو يظل أعزباً. أما الفتاة، فهي ربما (ضحية الصمت) كما أشرت إلى ذلك قبل 40 عاماً وهي اليوم ضحية الصمت القسري فربما أنها لا تقبل بالضرورة هذه المطالب لكنها تعلم أن معارضة أهلها ستفسد علاقتها بهم أو أن أهلها لن يتنازلوا عن (كبريائهم الاجتماعي). فتظل حبيسة المنزل يطرق الخطاب بابها ولكنهم يلوذون بالفرار من الأرقام الفلكية والمتطلبات الفلكية الباهظة لتدخل في مرحلة ما يعرف بالعنوسة التي قد ترافقها بعض الأمراض النفسية.
ما كان يطلب قبل 40 عاماً كان يعتبر كارثة، أما اليوم فقد تضخمت الأرقام بسبب متغيرات كثيرة وخطيرة أبرزها (مرض التقليد الأعمى) الذي أصاب الكثيرين. تحول الزواج من ميثاق غليظ إلى سباق محموم على استعراض المظاهر الخادعة والمزيفة. ينفق المال بلا حساب على زينة ليلة واحدة تنتهي بانقضاء ساعات الفرح حيث يضحك الحضور ويتراقصون بينما يحمل الزوج والزوجة الهم والدين لسنوات متعددة. ويظل الشاب حبيس الديون والقروض البنكية يكافح لسدادها لسنوات طويلة، وربما لا يذوق طعم الراحة المالية إلا عند إنجاب الطفل الثاني أو الثالث لتتحول بداية الحياة إلى كابوس من الأقساط والفوائد بدلاً من أن تكون بداية للسكينة.
والأدهى من ذلك والأمر أن هذا الزواج المثقل بالديون والضغوط النفسية ربما لا يستمر شهراً واحداً أحياناً لينتهي بالانفصال السريع الذي يرافقه هدر الأموال وكسر القلوب وتدمير الأحلام قبل أن تبدأ. وهنا يتجلى بوضوح حجم الكارثة التي صنعناها بأيدينا حين حولنا الزواج من (سكينة) إلى (تجارة خاسرة).
وهنا يتجلى أهمية البرامج التوعوية والتثقيفية من خلال خطب الجمعة والإعلام بكافة وسائله وتنظيم المحاضرات وحلقات النقاش التي يحضرها الآباء والأمهات وكل أفراد المجتمع للحث على الزواج وتيسير أموره والبعد عن التكاليف التي لم ينزل الله بها من سلطان. كما تبرز أهمية تنظيم الدورات التأهيلية للمقبلين على الزواج والتي لا تقتصر على الجوانب الشرعية فحسب بل تمتد لتشمل الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية من أجل استمرارية بناء الأسرة المستقرة وتلافياً للانفصال السريع. فالزواج الناجح لا يبنى بالمال والمظاهر بل بالوعي والتأهيل والفهم العميق والبساطة المقبولة لمسؤوليات الحياة المشتركة.
فقد لا يدرك الكثير من الأسر أن تأخر الزواج أو البدء به تحت وطأة الديون ليس مجرد قضية مجتمعية بل هو كارثة صحية. فالعيش تحت ضغط الديون قد يؤدي للقلق والاكتئاب وضعف المناعة كما تشير إلى ذلك بعض الدراسات العلمية. كذلك فإن الدخول في حياة زوجية مثقلة بالديون يخلق بيئة من التوتر المستمر الذي يهدد استقرار الأسرة منذ يومها الأول ويحول المودة إلى مصادر خلافات مادية دائمة.
لقد حث الله سبحانه وتعالى على الزواج ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كان أسوة في التيسير. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). ولنتذكر كيف كان زواج الصحابة رضوان الله عليهم حيث كان الرجل يزوج على ما معه من القرآن أو على خاتم من حديد. أين نحن اليوم من بركة اليسر والتيسير؟
إن الزواج وفق تعاليم ديننا الحنيف بسيط للغاية ولا يكلف كثيراً وفي هذا البسط تكمن البركة. فالبركة لا تحل في القروض ولا في المظاهر الزائفة التي تتبخر مع صباح اليوم التالي بل تحل في الرضا والقناعة. هنا فقط تتحقق (العيشة الهنيئة) و(الزواج السعيد) حيث يكون البناء على أسس متينة من المودة والرحمة لا على أكوام من الديون والمجاملات الاجتماعية.
ولعل الآباء والأمهات يدركون أن طموحاتهم النبيلة في تأمين مستقبل أبنائهم ربما تتحول إلى سكين تطعن ظهورهم إذا جاز التعبير حينما تتحول إلى مبالغة واستهلاك. إذا جاءك شاب مستقيم الخلق والدين فلا تحرم ابنتك من حقها في الأمومة والحياة المستقرة بسبب كبرياء اجتماعي زائل وتقليد أعمى هش. تذكر أن خير البر عاجله وخير الصداق أيسره. وينبغي أن نعي مفهوم الزواج الناجح. فالنجاح ليس في قاعة فندق فخمة ولا فرقة راقصة مكلفة بل في الرضا والقناعة والبناء المشترك. ولعل الشباب والبنات يبتعدن عن جعل المظاهر معياراً لاختيار شريك الحياة حيث ينبغي البحث عن الإنسان الذي يشارككن القيم الجميلة ولا تبيعوا أرواحكم وراحتكم النفسية مقابل بريق زائف.
لقد مر 40 عاماً على صرخة مقالي في (عكاظ). فهل أتوقع أن أعيد كتابة نفس المقال بعد 40 عاماً أخرى؟ أم نبحث عمن يعلق الجرس ويمتلك الشجاعة الإنسانية والدينية لكسر هذا القالب الاستهلاكي ونمنح شبابنا وبناتنا حقهم الطبيعي في المودة والرحمة؟
0

