كتاب الرأي

الملك عبدالعزيز… حكمة القيادة في استقطاب الكفاءات

لم تكن عبقرية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، مقتصرة على توحيد البلاد وإرساء دعائم الأمن والاستقرار؛ فقد امتدت حكمته إلى بناء الدولة ومؤسساتها، وإدراك ما تحتاج إليه من عقول وخبرات في مرحلة التأسيس. وكان من أبرز ملامح رؤيته أن الكفاءة لا تُقاس بجنسية صاحبها، وأن بناء الوطن يتطلب الاستفادة من كل خبرة نافعة، مع إعداد أبناء البلاد ليكونوا قادة مؤسساتها وصنّاع مستقبلها.

فعندما بدأت الدولة السعودية الحديثة تتشكل وتتسع مسؤولياتها، كانت أمامها مهام جسيمة تتجاوز إدارة الشؤون المحلية؛ إذ كان عليها أن تنظم أجهزة الحكم، وتؤسس للإدارة والمال والتعليم والإعلام، وأن تنفتح على العالم، وتدير علاقاتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية مع الدول. وفي ظل محدودية الكوادر المتخصصة آنذاك، أدرك الملك عبدالعزيز أن الاستعانة بأصحاب الخبرة من البلدان العربية وغيرها ليست ترفاً، بل ضرورة تفرضها متطلبات المرحلة، وفرصة لتسريع بناء مؤسسات الدولة.

ومن هنا، استقطب الملك عبدالعزيز نخبة من الرجال الذين جمعوا بين العلم والخبرة والتجربة، وأسند إليهم أعمالاً تتناسب مع تخصصاتهم. وكان من أبرزهم الطبيب العراقي الدكتور عبدالله الدملوجي، الذي بدأ عمله طبيباً، ثم اضطلع بأدوار سياسية وإدارية مهمة، وأسهم في تأسيس مديرية الشؤون الخارجية، والتفاوض بشأن عدد من الاتفاقيات. كما برز يوسف ياسين، وهو من سورية، بما امتلكه من خبرة صحفية وسياسية؛ فتولى رئاسة تحرير صحيفة «أم القرى»، ثم رئاسة الشعبة السياسية، وكان من أقرب المستشارين إلى الملك المؤسس.

ومن مصر جاء حافظ وهبة، الذي كان من الشخصيات المؤثرة في مسيرة التعليم والدبلوماسية السعودية؛ فقد عمل مستشاراً للملك عبدالعزيز، وأسهم في تطوير بعض الشؤون التعليمية والإدارية، ثم مثّل المملكة في بريطانيا وزيراً مفوضاً وسفيراً. كما شارك مع الأمير فيصل في اجتماعات تأسيس الأمم المتحدة عام 1945م. ومن لبنان جاء فؤاد حمزة، الذي عمل مترجماً ومستشاراً سياسياً، وأسهم في أعمال وزارة الخارجية، ثم تولى مهام دبلوماسية في باريس. أما رشدي ملحس، الأديب والصحفي الفلسطيني، فقد عمل في «أم القرى»، وأسهم في الشعبة السياسية، وتولى مقابلة عدد من الدبلوماسيين والزوار الأجانب.

ولم تقتصر دائرة الاستفادة على العرب؛ فقد استعان الملك عبدالعزيز أيضاً بخبرات شخصيات أجنبية، من بينها البريطاني هاري سانت جون فيلبي، المعروف بعبدالله فيلبي بعد إسلامه، والذي قدم خبرة في شؤون الجزيرة العربية والاتصالات الخارجية. وينبغي التمييز هنا بين من تولى منصباً رسمياً في أجهزة الدولة، ومن قدم المشورة أو أسهم بخبرته في مناسبات ومهام محددة؛ فالأدوار لم تكن واحدة، وإن التقت في خدمة مشروع الدولة الناشئة.

وفي المقابل، لم يكن الاعتماد على الخبرات الوافدة بديلاً عن الكفاءات الوطنية، ولا توجهاً لإقصائها؛ فقد أحاط الملك عبدالعزيز نفسه برجال سعوديين مؤهلين، واستفاد من خبراتهم، ومنهم الأمير أحمد بن ثنيان، والأمير عبدالله بن عبدالرحمن، وصالح العذل، وعبدالله السليمان، إلى جانب عدد من رجال الإدارة والسياسة الذين شاركوا في تأسيس أجهزة الدولة وتطويرها. كما حرص على إتاحة فرص التعلم والتأهيل، حتى تتسلم الكفاءات السعودية المواقع التي تتطلبها المرحلة، وتواصل مسيرة البناء.

وتكشف هذه التجربة عن جانب عميق من حكمة الملك المؤسس؛ فهو لم ينظر إلى بناء الدولة بوصفه عملاً فردياً، بل مشروعاً مؤسسياً يحتاج إلى تعدد الخبرات وتكامل الاختصاصات. وكان يعرف متى يستعين بالخبير، وأين يضعه، وكيف يوظف علمه وتجربته، كما أدرك أن تمثيل المملكة في المحافل الدولية يحتاج إلى رجال يجمعون بين المعرفة السياسية واللغة والثقافة والقدرة على الحوار والتفاوض.

لقد كان استقطاب الكفاءات العربية والأجنبية، بالتوازي مع إعداد الكفاءات الوطنية، تعبيراً عن عقلية دولة لا تضيق بالخبرة أينما وُجدت، ولا تتردد في التعلم من الآخرين، لكنها تجعل بناء الإنسان الوطني غايتها البعيدة. وتلك إحدى دروس مرحلة التأسيس التي بقي أثرها حاضراً: فالدول لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالعقول المؤهلة، وحسن الاختيار، والثقة بالكفاءات، والقدرة على تحويل الخبرات المتنوعة إلى عمل مؤسسي يخدم الوطن.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى