لفت انتباهي خبر عن جهاز صيني يحمل اسم «iFlytek Spark M50»، يستطيع فحص أوراق الواجبات المكتوبة بخط اليد، وتصحيحها، وتسجيل الملاحظات على الورقة نفسها، ثم تحليل أخطاء الطلاب وإعداد تقارير تساعد المعلم على معرفة جوانب الضعف داخل الفصل. الشركة تقول إن الجهاز ينجز تصحيح واجبات فصل كامل خلال دقائق، ويستخدم في آلاف المدارس، وهي خطوة تبدو أقرب إلى مشهد من المستقبل الذي كنا نتحدث عنه قبل سنوات.
هذا الخبر أعادني إلى مقالي السابق: «جامعة الذكاء الاصطناعي.. هل هي حلم المستقبل أم ضرورة الحاضر؟». كان السؤال يومها عن شكل التعليم حين تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على الشرح، وإعداد المحتوى، ومتابعة الطالب، وتقييم أدائه. لم يكن الحديث عن مبانٍ جديدة تحمل اسمًا مختلفًا، وإنما عن تحول عميق في مفهوم الجامعة، وفي أدوار الطالب والمعلم والمؤسسة التعليمية.
تجربة التصحيح الذكي في الصين تقدم جوابًا عمليًا عن جانب من هذا السؤال. ليست القضية استبدال المعلم، وإنما تحريره من الأعمال المتكررة ليعود إلى مهمته الأهم: صناعة الإنسان.
المعلم الذي يقضي ساعات طويلة في تصحيح عشرات الأوراق لا يفتقر إلى المعرفة ولا إلى الرغبة في مساعدة طلابه، لكنه يستهلك طاقته في عمل متكرر تستطيع التقنية أن تنجز جانبًا كبيرًا منه. وعندما تتولى الأنظمة الذكية التصحيح الأولي، وفرز الإجابات، ورصد الأخطاء المتكررة، وإعداد التقارير، يستعيد المعلم وقتًا يحتاج إليه للشرح الأعمق، والحوار مع الطالب، ومتابعة المتعثر، واكتشاف الموهوب، وبناء الثقة والدافعية داخل الفصل.
لكن نجاح جامعة الذكاء الاصطناعي لا يتوقف على قوة النظام وحدها، ولا على مهارة المعلم فقط، وإنما يبدأ من الطالب نفسه. فهي تستهدف الطالب الذكي بالمعنى الأوسع للذكاء؛ الطالب الحريص على تعلم جيد في وقت منظم، والقادر على إدارة حضوره وغيابه ووقته، والملتزم أخلاقيًا بالنظام والسلوك الإنساني والتحصيل العلمي. الطالب الذي لا ينتظر من يلاحقه، وإنما يعرف أن التعلم مسؤولية شخصية قبل أن يكون متطلبًا دراسيًا.
هذا الطالب سيحصل على فائدة أكبر من المقرر الذكي؛ لأنه سيكون معه طوال الوقت، لا يكل ولا يمل من الشرح، ولا يضيق بتكرار السؤال، ويستطيع أن يقدم المعلومة بأساليب متعددة حتى يصل إلى الطريقة الأقرب لفهمه. قد يشرح الفكرة بالنص، أو بالمثال، أو بالرسم، أو بالمحاكاة، أو بالمقارنة، ثم ينتقل معه خطوة بخطوة حتى يتأكد من استيعابه.
وفي المقابل، لا يلغي ذلك دور المعلم في وضع المقرر، وصناعة أهدافه، ومتابعة مخرجاته، وتقويم الطلاب، ومعرفة نسبة نجاح التجربة. فالذكاء الاصطناعي قادر على أن يعرض البيانات ويكشف الأنماط ويرصد مواضع التعثر، لكنه لا يملك وحده القدرة على اتخاذ القرار التربوي، ولا على تقدير الظروف الإنسانية المختلفة لكل طالب، ولا على صناعة القيم التي يحتاجها الإنسان قبل سوق العمل.
لهذا أرى أن سؤال: «متى يستبدل الذكاء الاصطناعي المعلمين؟» يحمل تصورًا ناقصًا لطبيعة التعليم. قد يستبدل الذكاء الاصطناعي مهامًا يؤديها المعلم اليوم، لكنه لا يستطيع أن يحمل رسالته كاملة. التعليم ليس تصحيح إجابة وحساب درجة فقط، ولا هو تلقين معلومات يمكن الوصول إليها من شاشة الهاتف. هناك أثر إنساني يصنعه المعلم في شخصية الطالب، ووعي يقدمه في اللحظة المناسبة، وعدالة في التقدير عندما تكون الإجابة أوسع من نموذج جاهز.
حين طرحت فكرة «جامعة الذكاء الاصطناعي»، دعوت إلى بداية واقعية عبر برنامج تجريبي داخل كلية أو جامعة، لا إلى قفزة متسرعة نحو إلغاء التعليم التقليدي. اليوم يصبح هذا المقترح أكثر إلحاحًا. يمكن أن يبدأ المشروع بمسار يجمع بين التربية والبيانات والذكاء الاصطناعي، تُختبر فيه أدوات التقييم الذكي، وتُبنى له ضوابط واضحة لحماية خصوصية الطلاب، وتُراجع مخرجاته بشريًا، وتُقاس نتائجه على جودة التعلم لا على سرعة التصحيح وحدها.
جامعة الذكاء الاصطناعي ليست جامعة بلا معلمين، ولا فصولًا يديرها روبوت. إنها بيئة تعليمية تجعل الطالب أكثر مسؤولية، وتمنح المعلم وقتًا أكبر لصناعة الإنسان، وتستفيد من دقة التقنية وسرعتها وقدرتها على المتابعة المتواصلة، ليصبح التعليم أعمق وأكثر جودة.
