يشهد العالم تحولات اقتصادية وتقنية وجيوسياسية متسارعة، تنعكس آثارها على الأسواق والاستثمارات وسلاسل الإمداد، وتفرض على المؤسسات تحديات متجددة في التخطيط والتشغيل وإدارة الموارد. وفي ظل هذه المتغيرات، تبرز أهمية تطوير قدرات مؤسسية لا تقتصر على التعامل مع التحديات عند ظهورها، بل تستبق آثارها وتستعد لها ضمن رؤية طويلة المدى.
وتقدم التجارب الدولية نماذج مهمة في هذا المجال. فقد عملت سنغافورة على تعزيز مرونة اقتصادها من خلال سياسات متعددة، من بينها الاستثمار في رأس المال البشري وتأهيل القوى العاملة لمواكبة متطلبات سوق العمل. وتمثل مبادرة «SkillsFuture» مثالًا على ربط تطوير المهارات بالتحولات الاقتصادية والمهنية، بما يعزز قدرة الأفراد والمؤسسات على التكيف.
أما فنلندا، فقد طورت نموذجًا وطنيًا للأمن الشامل يقوم على تكامل أدوار الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع في ضمان استمرارية الأنشطة الحيوية. وتبرز ضمن هذه المنظومة الوكالة الوطنية لأمن الإمدادات، التي تعمل بالتعاون مع القطاعات الاقتصادية على تحليل المخاطر وتعزيز الاستعداد واستمرارية الخدمات الأساسية.
وفي المملكة العربية السعودية، توجد مؤسسات وأطر متخصصة في قياس الأداء وإدارة المخاطر، من بينها المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة «أداء»، إلى جانب الجهات المعنية بالمخاطر الوطنية والرقابة القطاعية. وتتيح هذه البنية المؤسسية فرصة لتعزيز التكامل بين قياس الأداء الاعتيادي وتقييم الجاهزية الاقتصادية والتشغيلية، والاستفادة من التجارب الدولية بما يتناسب مع الأولويات الوطنية.
ويبرز هنا فرق جوهري بين قياس الأداء وقياس المرونة المؤسسية؛ فالأول يتناول مدى تحقيق الأهداف والمؤشرات المحددة، بينما يركز الثاني على قدرة المؤسسة على مواصلة أنشطتها الأساسية والتكيف مع تغير الظروف. ومن ثم، فإن تقييم الجاهزية يتطلب أدوات تتجاوز مؤشرات الأداء التقليدية إلى اختبارات متخصصة للقدرات التشغيلية والمالية.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر في تطوير منظومة وطنية متكاملة للإنذار المبكر بالمخاطر الاقتصادية والتشغيلية وقياس المرونة المؤسسية، تستفيد من الأطر القائمة، وتربط بين المؤشرات ذات الصلة على مستوى القطاعات الحيوية، بما يساعد على اكتشاف مواطن الضعف وتحديد الأولويات الوقائية.
ولا يستلزم هذا التوجه بالضرورة إنشاء أجهزة حكومية جديدة، بل يمكن تنفيذه من خلال آليات تنسيق واضحة بين الجهات المختصة، وتحديد المسؤوليات ونطاق تبادل البيانات، مع مراعاة سرية المعلومات واستقلالية المؤسسات وتجنب ازدواجية الاختصاصات.
وعلى المستوى التطبيقي، يمكن الاستفادة من التخطيط بالسيناريوهات الاقتصادية، واختبار خطط استمرارية الأعمال دوريًا، وتقييم مرونة سلاسل الإمداد، وكفاءة إدارة السيولة والموارد. كما يمكن اعتماد مؤشرات تقيس سرعة الاستجابة والتعافي، ومدى استمرار العمليات الحيوية عند تغير الظروف، بما يحول الجاهزية إلى نتائج قابلة للمتابعة والتطوير.
ويستحق القطاع الخاص، ولا سيما المنشآت الصغيرة والمتوسطة، معالجة تتناسب مع تفاوت إمكاناته المالية والتشغيلية؛ من خلال برامج تأهيل ودعم فني وحوافز متدرجة، دون فرض أعباء تنظيمية غير ضرورية قد تؤثر في قدرته التنافسية.
وتكتمل فاعلية هذه المنظومة عندما تتحول نتائج التقييم إلى قرارات عملية، تحدد أولويات التحسين وتوجه الاستثمارات الوقائية وتدعم كفاءة تخصيص الموارد. فالمقصود ليس إضافة مستويات جديدة من المتابعة والتقارير، بل تمكين المؤسسات من معالجة مواطن الضعف قبل انعكاسها على أدائها.
ويبقى السؤال الأهم: كيف نحوّل الجاهزية الاقتصادية والمؤسسية إلى قدرة وطنية مستدامة، تعزز كفاءة الأداء، وتحمي الاستثمارات، وتضمن استمرارية الأعمال في مختلف الظروف؟
• بروفيسور وطبيب استشاري | خبير في الاستثمار وتطوير الأعمال والشراكات الدولية

