خدمة ضيوف الرحمن شرف تحمله المملكة العربية السعودية منذ قيامها، ومكانة يعرفها لها العالم الإسلامي والعالم بأسره. وفي ظل الإصلاحات الواسعة التي تقودها الدولة، بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد، حفظهما الله، ضمن رؤية المملكة 2030، أصبح قطاع خدمة حجاج الخارج اليوم يجمع طرفين. الأول شركات تحولت من المؤسسات الأهلية، وتحمل خبرة عقود في خدمة الحجاج. والثاني شركات ومجموعات كبيرة دخلت السوق حديثًا، اعتادت العمل وفق نظام الشركات وممارسات الحوكمة منذ سنوات طويلة، ولديها خبرة مؤسسية راسخة وشراكات تجارية واسعة.
وقد جاءت الأنظمة والبرامج التي أطلقتها الدولة لتمكين الشركات المتحولة من العمل بعقلية مؤسسية حديثة، بما يرفع قيمتها ويحسّن العائد على مساهميها، وينعكس على الخدمة المقدمة لضيوف الرحمن. ووجود الطرفين معًا مكسب للقطاع، فالمنافسة الصحية ترفع الجودة، والمستفيد الأول منها ضيف الرحمن. لكن المنافسة وحدها لا تكفي، فما يضمن استدامة الجودة في الشركات جميعها هو الحوكمة الرشيدة.
التحول بداية الطريق
حين تحولت المؤسسات الأهلية إلى شركات مساهمة مقفلة، دخلت إطارًا جديدًا عليها بعد عقود من العمل بصيغة المؤسسات، فأصبحت خاضعة لنظام الشركات ولمتطلبات وزارة التجارة، مع بقاء إشراف وزارة الحج والعمرة على نشاطها في خدمة الحجاج. وقد وضع قرار التحويل الإطار النظامي الصحيح. ومن خلال رئاستي للجنة التحول في المؤسسة الأهلية لمطوفي حجاج الدول العربية سابقًا، تبيّن لي أن اكتمال الإطار النظامي خطوة أولى، وأن ما بعد هذه الخطوة مسؤولية الشركات نفسها.
وتتميز هذه الشركات بقاعدة مساهمين واسعة، يغلب عليها أبناء الأسر التي حملت شرف خدمة الحجاج جيلًا بعد جيل، ويعتمد كثير منهم على عوائدها مصدرًا مهمًا للدخل. ولذلك فإن الحوكمة فيها واجب أصيل، وتنمية عوائدها ضرورة للحفاظ على هذه الكيانات وعلى مقدرات المساهمين.
والحوكمة في جوهرها ممارسة يومية، أساسها مبدأ راسخ محليًا وعالميًا: الفصل الواضح بين دور مجلس الإدارة ودور الإدارة التنفيذية. فالمجلس يركّز على التوجيه الاستراتيجي والرقابة، والقيادات التنفيذية تُمكَّن من إدارة العمل اليومي بصلاحيات واضحة، وتُحاسَب على النتائج. وهذا الفصل يحمي الطرفين معًا، لأن المجلس الذي يدير بنفسه لا يستطيع أن يراقب ما يديره.
الجمعية العامة صوت المساهم
المساهمون هم أصحاب الكلمة الأولى في أي شركة، فهم من يختارون مجالس الإدارات ويحمّلونها أمانة إدارتها. والجمعية العامة هي المنصة التي يمارسون فيها هذا الحق، بالسؤال والمتابعة والمساءلة. ومع انتشار الانعقاد عن بُعد، وهو تطور مفيد يسّر المشاركة، تزداد أهمية أن تبقى للمساهم مساحة حقيقية للحوار.
ويمكن تعزيز هذا الحوار بممارسات عملية. تُستقبل أسئلة المساهمين قبل انعقاد الجمعية بوقت كافٍ ويُجاب عنها في الاجتماع، ثم تُنشر مع إجاباتها في المحضر. ويُخصَّص للنقاش وقت مناسب أثناء الانعقاد، حضوريًا كان أو عن بُعد. ويُشرح كل بند جوهري بلغة يفهمها المساهم قبل أن يصوّت عليه.
فالشفافية أن يفهم المساهم ما يصوّت عليه، وأن يجد من يجيبه حين يسأل.
صوت متساوٍ لا يعني فرصة متساوية
تمنح بعض آليات الانتخاب المساهمين حقوقًا متساوية في اختيار مجلس الإدارة مهما كان حجم ملكياتهم، وهذا مبدأ عادل. لكن حماية صغار المساهمين تحتاج أيضًا إلى تكافؤ الفرص بين المرشحين أنفسهم. فبعضهم يصل إلى المساهمين بسهولة وبعضهم لا يجد قناة للتواصل معهم، وبعضهم حاضر في الإعلام ووسائل التواصل وبعضهم غائب عنها.
ومن أفضل الممارسات في انتخابات المجالس وجود ضوابط مكتوبة تضمن حياد الشركة: تحدد من يحق له استخدام بيانات المساهمين وكيف، وتمنع توظيف قنوات الشركة الرسمية لصالح مرشح بعينه، وتضمن ألا يمنح الموقع الإداري أي مرشح ميزة في الوصول إلى المساهمين، وتتيح للجميع الفرصة نفسها لعرض برامجهم، مع جهة إشراف واضحة تنظر في الملاحظات والاعتراضات بشفافية.
وهذه الضوابط تحمي الشركة ومجلسها قبل أن تحمي المرشحين، لأنها تغلق باب التشكيك من أساسه. والمساهم الذي يثق في نزاهة الانتخابات يقبل نتيجتها أيًّا كانت.
الرقابة تبدأ من الداخل
خط الدفاع الأول عن المساهم هو الرقابة الداخلية في الشركة نفسها، وهي مسؤولية مجلس الإدارة قبل غيره. ويبدأ تفعيلها بلجنة مراجعة مستقلة فاعلة، وإدارة مراجعة داخلية ترفع تقاريرها إلى لجنة المراجعة ضمانًا لاستقلاليتها، إضافة إلى أنظمة لإدارة المخاطر والامتثال، وسياسات مكتوبة لتعارض المصالح والتعاملات مع الأطراف ذات العلاقة.
والشركة التي تفعّل رقابتها الداخلية تكتشف الخلل وتعالجه مبكرًا، قبل أن يتحول إلى شكوى من مساهم أو مساءلة من جهة رقابية أو نزاع يضر بسمعتها.
ومن صميم الحوكمة كذلك ربط المكافآت بالأداء ربطًا صريحًا، أي بنتائج مالية وتشغيلية قابلة للقياس، وبجودة الخدمة، وبالأهداف الاستراتيجية المتحققة، بما يعكس أداء الشركة على المدى الطويل.
ثم تأتي الرقابة الخارجية لتكمل الرقابة الداخلية. وتتجه الجهات الرقابية اليوم إلى الرقابة القائمة على تقييم المخاطر، فتتابع، وفق اختصاصاتها النظامية، جودة الإفصاح المالي والعقود الجوهرية والمكافآت. وحين تتكامل الرقابتان، يكون المساهم محميًا، وتكون الشركة أقدر على النمو والمنافسة.
ما بعد الموسم
إذا استقامت الحوكمة، يبقى أمام الشركات التحدي الأكبر في رأيي، وهو تحدٍّ اقتصادي قبل أن يكون نظاميًا. فطبيعة الحج تربط جزءًا كبيرًا من نشاط الشركات بموسم واحد في السنة، وهذا يتطلب نماذج أعمال أكثر استدامة، تقوم على تنويع مصادر الدخل وتقوية الملاءة المالية، وتستعين بكفاءات متخصصة تستفيد من تجارب القطاعات الاقتصادية الأخرى.
وكل شركة في القطاع تعمل اليوم بشكل مستقل. لكن هذا الاستقلال لا يمنع أن تنشأ مستقبلًا، متى توافرت القناعة والتفاهم بين الأطراف، شراكات أو تحالفات أو حتى اندماجات، تجمع خبرة الشركات المتحولة بضيوف الرحمن إلى الخبرة المؤسسية للشركات الجديدة، فتصنع كيانات أقوى وخدمة أرقى.
الغاية في النهاية ليست انتصار شركة على أخرى، بل أفضل خدمة تُقدَّم لضيف الرحمن، خدمة تليق بمكانة المملكة العربية السعودية ورسالتها الممتدة في رعاية الحجاج. وبلوغ هذه الغاية مسؤولية يتقاسمها المساهمون ومجالس الإدارات والإدارات التنفيذية في الشركات جميعها، بالتكامل مع الجهات التنظيمية والرقابية.
فالشفافية تحمي حقوق المساهمين، والمساءلة ترفع كفاءة الإدارة، وتكافؤ الفرص يبني الثقة، والحوكمة الرشيدة تصنع شركات قادرة على النمو والاستدامة.
أول رئيس للجمعية التأسيسية لشركة مطوفي حجاج الدول العربية (أشرقت)، ونائب رئيس مجلس إدارة المؤسسة الأهلية لمطوفي حجاج الدول العربية، ورئيس لجنة تحولها إلى شركة مساهمة مقفلة سابقًا.•

طرحٌ عميق يعكس خبرةً ورؤيةً مؤسسية واعية لمستقبل قطاع خدمة ضيوف الرحمن. أتفق معكم أن الحوكمة ليست مجرد أنظمة ولوائح، بل ممارسة فعلية تقوم على الشفافية والمساءلة والفصل بين الصلاحيات وتمكين الكفاءات. فاستقرار الشركات وحماية حقوق المساهمين وتعظيم العوائد مسؤولية مشتركة، والكيان أولًا، وخدمة ضيوف الرحمن شرف وغاية.
بارك الله في النبض والقلم، وكل الشكر والتقدير للدكتور محمد بياري على هذا الطرح الرائع، الذي يجمع بين الفكر الاقتصادي الرصين وقيم وأخلاقيات العمل المؤسسي، ويؤكد أهمية الحوكمة والشفافية والنزاهة في تعزيز نجاح الشركات واستدامتها.
وهذا بالفعل ما تحتاجه شركات خدمة حجاج الخارج في هذه المرحلة المهمة، حيث تبرز أهمية ترسيخ مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص، وتعزيز المشاركة الإيجابية للمساهمين، وإتاحة المجال لعرض الرؤى والبرامج التطويرية بما يخدم مصالح الشركات ومستقبلها.
إن ترسيخ ثقافة الحوكمة الحقيقية وليس الترويجية والعمل المؤسسي المنضبط، واحترام الأنظمة واللوائح، وتعزيز الثقة بين المساهمين ومجالس الإدارات من خلال احترام المساهمين ، يمثل أساسًا متينًا للانتقال من مرحلة التحول إلى الاستدامة والتميز.
طرح متميز يستحق الإشادة، ورسالة مهمة للمساهمين و لمن يسعون الوصول لمجالس الادارات لمستقبل هذا القطاع الحيوي.