عام

المُعلم الرسول في القرن الـ٢١ !

لا يُخالجني شك أن المُعلم يسعد كثيرًا كلما تذكَّر ذلك الشطر الشهير من بيت أمير الشعراء “كاد المعلم أن يكون رسولًا”، ولا يساورني ريبة في أن المُعلم يخوض معركة الحياة الكبرى أكثر مما يخوضها قادة الجيوش على تخوم بلادهم.. كيف لا والمعلمون يتصدون للجهل بالمعرفة، ويسحقون الظلام بمصابيح الفكر والبصيرة.

ولكي يكون المُعلم رسولًا؛ فلا بد له أن يأتي بما أتت به قناديل الرسالة، لا بد للمُعلم الرسول أن يحب الحياة وأن يعلم طلابه حب الحياة، لا بد للمعلم الرسول أن يصبر ويعلم صغاره الصبر؛ لا بد للمعلم الرسول أن يُناضل ويعلم أبناءه فنون المناضلة؛ لا بد للمُعلم الرسول أن يحنو ويشفق ثم يتفنن في تقديم هذا لأولاده وبناته.

ولكي يكون المُعلم رسولًا في القرن الحادي والعشرين، فلن يكون مطلوبًا منه أن يأتي بوحي من السماء بعد أن انقطع، وليس مطلوبًا منه أن يدعو إلى اتباع دين أو تلاوة كتاب مقدس أو أداء عبادات على نحو مخصوص وفي وقت معلوم.. كل هذا ليس من خصائص المُعلم الرسول في القرن الذي نعيش فيه وربما الذي يليه.

كل ما نريده من معلم القرن أن يكون رسولًا بروحه وفكره، لا سيما معلم الأطفال الصغار الذين سيقضون معه أول وأصعب خبرات الحياة.. خبرة الخروج من بيت الأسرة إلى بيت الرفقة والأصدقاء، المعلم الذي سيقوم بالدور الأصعب في تاريخ النمو الفكري البشري، المُعلم الذي سيناط به إعادة برمجة ذلك الرأس الصغير؛ لينتقل بهدوء من محضنه الآمن إلى مصنعه الدائم.

تتحدث الأبحاث والمواقع والمدونات والمذكرات والذكريات عن المعلم الرسول كثيرًا بيد أنها تتحدث بذات اللسان، وتفكر بنفس الطريقة التي يمكن اختصارها على هذا النحو “مهمة المُعلم كمهمة الرسول وهي التعليم وعليه فهو جدير بالتقدير والاحترام”، ويبقى الحديث متواترًا حول الممارسات التي يجب أن ينتهجها المجتمع كاملًا في تعبيره عن تقدير المُعلم.

لا بأس في هذا فهو يُمثل نصف الرسالة ونصف الطريق، ولكن هنالك نصف مفقود يمكن إعادة صياغته على النحو التالي: ما هي مواصفات المعلم الرسول لكي يحظى بما هو أهل له من التقدير والكرامة؟

تأتي الإجابة من ذات المدونات والمذكرات والأبحاث بأن المعلم القادر في القرن الحادي والعشرين هو من يمتلك وينقل المهارات الأربع لطلابه والتي أشير إليها بمصطلح الـ4Cs وهي: citical thinking أي التفكير النقدي، creative thinking أي التفكير الإبداعي، communication أي القدرات التواصلية، collaboration أي المهارات التشاركية ويمكن تلخيصها هذه المهارات على النحو التالي:

المعلم ذو الفكر الناقد هو القادر على نقل مهارات التحليل والتفكيك للمسائل والأحداث لطلابه، المعلم النقدي هو المتمكن والذي يعلم طلابه مقارنة الأشياء بشكل مقبول ووصفها بشكل دقيق وحل معضلاتها بطريقة مقنعة هو أيضًا المبدع في تعليم طلابه مهارات السببية والنتائج المترتبة عليها، لا يمكن لمعلم القرن الحادي والعشرين أن يكون رسولًا، وهو يفتقد مهارات التفكير الناقد.

المعلم ذو الفكر الإبداعي هو من يشعل خيال طلابه فيجعل من الخيال مطية للوصول لواقع مختلف، هو القادر على نقل مهارات العصف الذهني لتلاميذه، المتمكن من تعليمهم طرق ربط الأطراف المتباعدة ببعضها للوصول إلى حقائق جديدة من خلال معطيات قديمة.

المعلم التواصلي هو من يخلق رسالة من خلال ما يقوله أو يكتبه أو ربما من خلال إيماءاته وحركاته، هو ذلك الذي يعلم طلابه فنون الإرسال والاستقبال وفقًا لطبيعة الموقف، هو ذلك الذي يجعلهم يعاودون تقييم ما يقولون وما يكتبون وما يرسمون وما يتأملون وصولًا إلى ما يفعلون، هو الذي يعلم النشء الجديد تبادل الأدوار أثناء الحديث، وتقبل الرأي أثناء الاختلاف، وحسن التفسير والتلخيص عند الكلام، واستخدام التقنية لإيصال المعاني والأفكار.

المعلم التشاركي هو الذي يمطر طلابه بقيم العمل الجماعي، يتحدث عن مهارات فرق العمل وعن قيمة القيادة والتنظيم، هو المعلم الذي يكرس وقتًا طويلًا لتحقيق حلول لمشكلة أو أكثر من خلال تشاور مجموعة من طلابه؛ بحيث يصبح الرأي مشتركًا ينعم الجميع بمنافع صلاحيته ومسؤولية إخفاقه.

هنا سمات المعلم الرسول للقرن الحادي والعشرين التي تصبح زاكية جدًا حينما تمزج مع صفات الرسالة الشخصية من: الحلم والأمانة والانضباط والصدق والرحمة وحسن الخلق، هنا معلم القرن الذي يجب أن تعد له صدور المجالس ومتكاءتها، هنا يمكن الحديث عن جيل قوي بمعلميه، ونشء متمكن برسله المعاصرين، ستتفاضل كليات التربية بقدر ما تقدم للمجتمعات هذا النمط من المعلمين، وستسمو الجامعات التعليمية بقدر ما تستثمر في صنع هذا الطراز من المعلمين، وستنجح الدورات التدريبية وحلقات النقاش وتجمعات التربويين بقدر ما تنصح بمثل هؤلاء المعلمين ..

وحينما نفعل هذا وننصح بفعله فإننا سنغني كثيرًا وطويلًا بنكهة جديدة وبشطر آخر لشوقي وهو يقول:

أعلمت أشرف أو أجل من الذي
يبني وينشئُ أنفسًا وعقولا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى