المقالات

فضفضة

أحيانًا يجي في بالي سؤال، وأقعد أفكر فيه وأنا أمشي بين المكاتب: ليش الابتسامة صارت نادرة في الدوام؟

مو الابتسامة اللي تطلع مجاملة… أقصد الابتسامة اللي تطلع من القلب، وتخليك تقول: الله يسعده، ضبط مزاجي.

قبل كم يوم، كنت واقفًا أنتظر المصعد، والناس حولي. هدوء غريب، مع إن الساعة كانت ثمان إلا شوي، واليوم توّه يبدأ.

فتح المصعد؛ واحد ماسك جواله، والثاني يناظر في الساعة، والثالث للحين يحاول يصحصح.

السلام موجود… لكن بصوت خافت.
والابتسامات موجودة… لكن على استحياء.

وأنا أطالع الوجوه، قلت بيني وبين نفسي:

كلٌّ منشغل بجوّه؟

وصلنا للدور المطلوب، وكل واحد راح لمكتبه، لكن السؤال بقي معي:

وين راحت الابتسامة؟

مو معقول إنها اختفت.
أكيد موجودة…
بس يمكن انشغلت مثلنا.

أول محطة كانت عند ركن الكوفي.

إذا فيه مكان يعرف أسرار الموظفين، فهو ركن الكوفي. هناك تسمع كل شيء:

صباح الخير.
وش الأخبار؟
أمس تأخرت لين المغرب.
اليوم شكله طويل.

وفي نص السوالف، يطلع واحد يقول كلمة عفوية، ويبتسم اللي حوله.

الغريب أن الابتسامة هناك تطلع بسهولة، لكن أول ما كل واحد يمسك كوبه ويرجع لمكتبه، يرجع الهدوء مرة ثانية، كأن القهوة أخذت معها الابتسامة.

لفت انتباهي زميل، كل يوم إذا دخل يحرص يسلّم على كل اللي يقابلهم.

مو سلام مستعجل، سلام فيه نَفَس:

صباح الخير.
كيف حالك؟
عساك بخير؟

يمكن ما يأخذ منه دقيقة، لكن الدقيقة هذي تغيّر بداية اليوم.

مرة قلت له:

وش السر؟

قال وهو يبتسم:

يا رجال… الكلمة الطيبة ما تنقص من الراتب.

ابتسمت، وقعدت أفكر في الجملة أكثر من اللازم.

فعلًا، إحنا نصرف وقتًا طويلًا على أشياء كثيرة، لكن الكلمة الطيبة ما تكلّف شيئًا.

وأذكر موقفًا ما أنساه. كنت داخلًا على أحد المديرين اللي اشتغلت معهم في موضوع عمل. كان واضحًا أن اليوم مزدحم، والملفات على المكتب أكثر من المعتاد.

أول ما جلست، طالع فيني وقال:

شربت قهوتك؟

قلت:

لا والله، للحين.

قال بكل هدوء:

أجل رح هاتها… وبعدها تعال نكمل.

استغربت في البداية، وقلت في نفسي: الموضوع ما يحتاج قهوة.

لكن بعدين فهمت قصده.

ما كان يقصد القهوة نفسها… كان يقصد يقول: خذ دقيقة، رتّب أفكارك، واهدأ، وبعدها نتكلم.

رجعت بعد كم دقيقة وجلست، وكان النقاش أهدأ، والتركيز أفضل.

من يومها وأنا مقتنع أن بعض المديرين يعلمونك أشياء كثيرة، من دون ما يلقون عليك محاضرة.

موقف بسيط، لكنه علّمني أن الإنسان إذا ارتاح دقيقة، يقدر ينجز ساعة.

يمكن أكثر شيء تعلمته من سنوات العمل أن الناس ما تتذكر كل التفاصيل.

ما أحد بيتذكر بعد خمس سنوات كم كان رقم المعاملة، ولا كم بريدًا أرسلت، ولا كم مرة حضرت اجتماعًا.

لكنهم يتذكرون الشعور.

يتذكرون أن فيه شخصًا إذا شافك في الممر ابتسم، وإذا تعبت قال لك: وسّع صدرك، وإذا أنجزت قال: بيّض الله وجهك، وإذا أخطأت صحح لك الخطأ من دون ما يحرجك.

هذي الأشياء ما تنكتب في التقارير… لكنها تنكتب في الذاكرة.

أذكر أول سنة لي في العمل، كنت حريصًا على كل شيء. أراجع، وأقرأ المعاملة أكثر من مرة، وأحسب للكلمة ألف حساب.

وفي أحد الأيام، دخلت على زميل أستفسر عن موضوع.

قال لي:

اجلس.

قلت:

لا والله، مستعجل.

قال:

أعرف… كلنا كنا نقول مستعجلين، ولنا سنوات هنا.

ابتسمت.

يمكن العبارة بسيطة، لكنها كسرت رهبة كانت داخلي، ومن بعدها صار المكتب بالنسبة لي مكانًا أعرفه، مو مكانًا أخاف منه.

اللي لاحظته أن بعض الناس عندهم قدرة عجيبة على نشر الارتياح، مو لأنهم يتكلمون كثيرًا، ولا لأنهم أصحاب مناصب، لكن لأن حضورهم مريح.

إذا سلّموا، حسيت أن السلام طالع من قلب.
وإذا شكروا، كان الشكر صادقًا.
وإذا ابتسموا… ابتسموا من دون تكلّف.

وفي المقابل، فيه ناس ما يقصدون أبدًا، لكن من كثر انشغالهم ينسون أبسط الأشياء.

ينسون يقولون: يعطيك العافية.
ينسون يرفعون رؤوسهم إذا أحد سلّم.

مو تكبّرًا، ولا قلة ذوق، بس سرعة الأيام خلتنا نمشي على وضع «الطيار الآلي»:

ندخل،
نشتغل،
نطلع،
ونكرر المشهد كل يوم.

مرة شفت موقفًا أعجبني.

كان فيه موظف جديد، واضح عليه التوتر، واقف عند الطابعة، ويحاول يفهم ليش الورق وقف.

جاءه زميل أقدم منه. كان يقدر يحل المشكلة ويمشي، لكنه قال:

تعال… خلني أعلّمك، الجهاز هذا يحب يسوي نفسه مهم.

ابتسم الموظف الجديد، وانتهى الموقف، لكن اللي بقي هو الطريقة.

كم مرة نقدر نخلي يوم شخص أسهل بكلمة بسيطة؟

أكثر مما نتخيل.

ترى الابتسامة مو معناها أن الدوام يصير جلسة استراحة، ولا معناها أن العمل يقل.

بالعكس، كل واحد فينا يعرف قيمة المسؤولية، ويعرف أن الإنجاز هو الأساس، لكن بين مهمة ومهمة، وبين اجتماع واجتماع، ما يمنع إننا نتذكر أننا بشر.

نحتاج نبتسم، ونحتاج نسمع كلمة طيبة، ونحتاج أحدًا يخفف عنا ثقل اليوم.

وأحيانًا، أجمل الابتسامات هي اللي تجي من دون ترتيب:

تعليق عابر،
موقف طريف،
غلط مطبعي يبتسم له الجميع،
أو واحد نطق كلمة بطريقة مختلفة، فابتسم هو قبل غيره.

هي لحظات بسيطة، لكنها تعيش طويلًا.

يمكن لهذا السبب، إذا تقاعد شخص محبوب، تسمع الناس يقولون:

والله فقدنا روحه.

نادرًا أحد يقول:

فقدنا ملفاته.

لأن الملفات يكملها غيره، أما الروح… فصعب تتكرر.

قبل ما أختم، أبي أقترح تجربة بسيطة.

بكرة، أول ما تدخل الدوام، لا تسوي شيئًا مختلفًا.

اشتغل كعادتك، أنجز، احضر اجتماعاتك، ورد على رسائلك، لكن أضف شيئًا واحدًا فقط:

إذا قابلت أول شخص، ابتسم له.

ابتسامة عادية، من دون تكلّف، وإذا سنحت الفرصة قل كلمة طيبة.

يمكن ما تلاحظ أثرها في اللحظة نفسها، لكن يمكن الشخص اللي قدامك كان يحتاجها أكثر مما تتصور.

وفي النهاية، يمكن كل واحد فينا يحتاج من وقت إلى آخر فضفضة.

مو عن العمل، ولا عن الملفات، ولا عن المواعيد.

فضفضة بسيطة تذكرنا أن خلف كل مكتب إنسانًا، وخلف كل مسمى وظيفي قصة، وخلف كل وجه هادئ تفاصيل ما يعرفها إلا صاحبها.

ولو قدرنا نهدي بعضنا كلمة طيبة، أو ابتسامة صادقة، أو لحظة تقدير، يمكن ما نغيّر الدنيا، لكن أكيد بنغيّر يوم أحد.

وأحيانًا…

يوم جميل واحد…

يكفي.

عواد الغامدي

كاتب رأي وخبير تنمية بشرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى