المقالات

التخدير التجاري … مصطلح مجازي لواقعٍ مؤلم

في عالمٍ يفترض أن تدار فيه الشراكات بالقيم قبل الأنظمة، برز على السطح مصطلح جديد صاغه الواقع قبل الأقلام، وأطلقه المتضررون قبل المنظرين، هو “التخدير التجاري”.

فالتخدير التجاري ليس تخصصًا علميًا، ولا مجالًا أكاديميًا، ولا برنامجًا معتمدًا في كليات الطب أو أي كلية أخرى، ولا يمت للعلوم الطبية أو الإدارية بصلة. إنه مصطلح مجازي ساخر ولد من رحم ممارسات تجارية غير سليمة، هدفه توصيف سلوكٍ واحدٍ بعينه: تأجيل الحقوق مع القدرة على أدائها.

ما هو التخدير التجاري؟

هو أسلوب غير أخلاقي في إدارة الالتزامات، لا يقوم على إنكار الحقوق، بل على تعليقها وتسويفها، عبر أعذار متكررة، ووعود ناعمة، ولغة إدارية تسكن المطالبة وتطيل زمن الانتظار.

هو “تخدير” بالمعنى المجازي؛
يغيب الإحساس بالظلم مؤقتًا، ويهدئ الاعتراض، بينما يبقى الحق ثابتًا .. بلا وصول.

لماذا هذا الوصف؟

لأن أثره يشبه التخدير المؤقت:

يبدأ بتطمينٍ لطيف، يليه انتظار طويل، ثم يترك أثرًا نفسيًا ومعنويًا أعمق من الخسارة المادية.

الميزان الشرعي: التسمية الحاسمة

مهما تعددت المسميات الحديثة، فقد وضع الإسلام لهذا السلوك توصيفه الدقيق فى حديث النبي ﷺ:
«مَطْلُ الغنيِّ ظلم».

فالتخدير التجاري ليس إلا صورة معاصرة لمطل الغني، حين يتحول التأخير من ظرف طارئ إلى نهجٍ متكرر، ومن استثناء إلى سياسة غير معلنة.

دروس وعبر

الدرس الأول:
الاعتراف بالحق لا يسقط واجب أدائه، ولا يبرر تأجيله.

الدرس الثاني:
المماطلة لا تبدد المال فقط، بل ترهق النفوس، وتقتل الثقة، وتفرغ الشراكات من معناها.

الدرس الثالث:
الذكاء التجاري بلا أخلاق وهم قصير الأمد، وكل مكسبٍ بني على ظلمٍ هو خسارة مؤجلة.

الدرس الرابع:
الحقوق قد تخدر في موازين البشر، لكنها لا تخدر عند الله.

وكما يقول المثل المكي المشهور:
“تعيش كثير .. تشوف أكثر”
فالزمن كاشف، والتجربة معلمة، والأقنعة لا تدوم.

الطمأنينة

قد يطول الانتظار، وقد يتأخر إنصاف البشر، لكن عند الله لا نسيان ولا تقادم.

﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

فالتخدير التجاري:

مصطلح وصفي مجازي لا علمي، لا تعترف به كليات الطب ولا أي مؤسسة أكاديمية، وهو نتاج تعاملات تجارية غير منضبطة، وجوهره الشرعي هو مطل الغني.

فالغنى اختبار لا امتياز، والشراكة أمانة لا حيلة، والعدل والإنصاف أساس كل استدامة.

ويبقى الأمل فى أن:

تعود الحقوق إلى أصحابها، ويعود الوعي إلى الضمائر، ويقدم العدل والإنصاف على المكاسب المؤقتة.

فالعدل قد يتأخر .. لكنه لا يغيب، وما عند الله خير وأبقى

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى