المقالات

التحالف والحدود الحمراء: قراءة في بيانين متباينين

قراءة صحيفة مكة في بيانين متباينين حول أمن المملكة ومستقبل الشراكة داخل التحالف.


ليس كل نفيٍ دحضًا، ولا كل بيانٍ دفاعًا. فبين بيانٍ سعوديٍّ صريحٍ سمّى الفعل ووقّته وحدّد الجغرافيا والمسؤولية، وبيانٍ آخر اكتفى بلغةٍ إنشائية عمومية، يتجلّى الفرق بين خطابٍ يستند إلى الوقائع ويتحمّل مسؤولية الموقف، وخطابٍ يحاول الالتفاف على الأسئلة الجوهرية بدل مواجهتها. وفي هذه القراءة، تحاول صحيفة مكة مقاربة هذا التباين من زاوية تحليلية هادئة، تضع أمن المملكة وقيادة التحالف في صدارة الاعتبار، وتفكّك لغة البيانات لا بهدف التصعيد، بل لفهم ما تعكسه من مناهج مختلفة في إدارة الشراكة داخل تحالف يفترض فيه وضوح القرار ووحدة المسار.

البيان السعودي لم يذهب إلى التعميم، بل قدّم سردًا محددًا للحدث، مستندًا إلى معطيات ميدانية، وتحركات موثّقة، وتوقيت بالغ الحساسية. فقد أشار بوضوح إلى ضغطٍ مورس على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لتنفيذ عمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة، في خطوة وُصفت بأنها تهديد مباشر للأمن الوطني السعودي، ومساس بأمن اليمن واستقراره. كما لم يُخفِ البيان السعودي خطورة هذه الخطوات على أسس تحالف دعم الشرعية، مؤكدًا أن أي تهديد لأمن المملكة هو خط أحمر لن تتردد في التعامل معه.

في المقابل، جاء البيان الإماراتي بلغةٍ مختلفة؛ لغةٌ ترفض وتستنكر وتأسف، دون أن تواجه جوهر الاتهام أو تنفي الوقائع المحددة التي أُشير إليها. فالبيان اكتفى بوصف ما ورد بأنه «مغالطات»، وانتقل سريعًا إلى استعراض مواقف سابقة، وتأكيدات عامة حول التنسيق، والدعوة إلى التهدئة، دون تقديم إجابة واضحة عن الأسئلة الأساسية: لماذا تحرّكت السفن في هذا التوقيت تحديدًا؟ ولماذا تزامن ذلك مع تحركات لقوات الشرعية اليمنية لإنقاذ حضرموت والمهرة من الفوضى؟ ومن الذي منح الإذن بتحركات عسكرية أو لوجستية خارج إطار القيادة المشتركة للتحالف؟

الأكثر إرباكًا في البيان الإماراتي أنه جمع بين الإقرار بوجود «تنسيقٍ عالٍ» مع المملكة، والحديث في الوقت ذاته عن «المفاجأة» باستهداف العربات في ميناء المكلا. وهذا التناقض يفتح باب التساؤل المشروع: هل كان التحرك منسقًا فعلًا أم أنه خالف مسار القيادة المشتركة؟ ففي العمل التحالفي، لا تجتمع المفاجأة مع التنسيق، ولا يُبرَّر الخروج عن المسار ببيانات إنشائية.

ثم يبرز سؤال محوري لا يمكن القفز عليه: لماذا تبدو الإمارات الطرف الوحيد الذي يتحرك ميدانيًا بقوة بالتوازي مع دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، في وقتٍ تؤكد فيه المملكة دعمها الكامل للشرعية اليمنية، وحرصها على الحل السياسي الشامل، ورفضها لأي خطوات أحادية تُربك المشهد وتُهدد الاستقرار؟ إن هذا التباين في السلوك لا يمكن فصله عن تصريحات وتغريدات لمسؤولين إماراتيين دعمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، مسارات تُغذّي الفوضى، وتتناقض مع التوجه السعودي القائم على تثبيت الدولة اليمنية ومؤسساتها.

وليس من قبيل الصدفة أن يأتي تحرك السفن والعربات في توقيتٍ بالغ الدقة، بينما كانت الشرعية اليمنية تتحرك لاستعادة زمام الأمور في حضرموت والمهرة، ومنع انزلاقهما إلى سيناريوهات الفوضى المسلحة. فالتوقيت هنا ليس تفصيلًا، بل عنصرًا كاشفًا لطبيعة المقاربة، ويضع علامات استفهام حول الأهداف الحقيقية لهذه التحركات.

في نهاية المطاف، حين تتكلم الوقائع، ويُوثَّق الحدث بالصورة والحركة والتوقيت، وتُحدَّد المسؤوليات بوضوح، فإن البيانات الإنشائية وحدها لا تكفي لصناعة قناعة أو إزالة تساؤلات. فالسياسة لا تُدار بتكرار الشعارات أو استدعاء النوايا، بل بالالتزام الصارم بقواعد الشراكة، واحترام قيادة التحالف، وعدم اتخاذ خطوات أحادية في ساحات عمل مشتركة.

إن الدول تُقاس بثبات مواقفها واتساق أفعالها مع التزاماتها، لا ببلاغة بياناتها. وفي لحظات الاختبار الكبرى، يبقى الفارق واضحًا بين من يعمل على حماية الاستقرار، ومن تُربك تحركاته هذا الاستقرار، مهما كانت التبريرات

مكة تقرأ

نقرأ معًا من صحيفة مكة الإلكترونية نصوصًا ومقالاتٍ تحمل المعنى، وتفتح النوافذ نحو العقول والقلوب…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى