في مسرح التاريخ الحديث، ثمة نمطٌ متكرر لا يخطئه البصير، يتجاوز تبدل الأسماء وتناوب الوجوه. فكم من قوة إقليمية ظنت أن الاصطفاف في ظل القوى العظمى يمنحها حصانة أبدية، وأن تأدية دور “الذراع المنفذة” لمشاريع الآخرين سيرقي بها إلى مصاف اللاعبين الأساسيين. لكن حوادث الزمن تحمل في طياتها دروساً قاسية: فمن يرهن قراره الوطني ويبيع سيادته، يُشترى بثمن بخس ثُم يُرمى عند أول منعطف تتبدل فيه الموازين.
لقد رأينا كيف اندفع بعضهم في مغامرات ليست من صميم مصلحة أمته، يظن أن الإذن المؤقت رخصة دائمة، وأن التأييد العابر ضمانة أبدية. لكن الحقيقة المرة تظهر سريعاً: فحين تنقضي المهمة، يُسدل الستار، ويُترك اللاعب وحيداً في مواجهة عواقب اختياراته، لا حليف ينجده ولا سند يستند إليه. بعضهم دفن أحلامه في حفر النسيان، وآخرون تقطعت بهم السبل على قارعة التاريخ، وبعضهم عوقب على منصات المشانق، بينما ما يزال غيرهم يدفع الثمن من دماء شعوبهم واستقرار أوطانهم.
واليوم، نعاين المشهد يتجدد بأدوات مختلفة ووسائل متطورة، لكن الجوهر يبقى واحداً: يدٌ تمتد إلى اليمن لتزيد جراحه نزفاً، وأنيابٌ تغرز في ليبيا لتعميق انقسامها، وأصابعٌ تلعب بالنار في السودان لتحويل أزماته إلى حرب مستعرة. يظن أصحاب هذه الأجندات أن القوة الاقتصادية وحدها تصنع التاريخ، وأن تأجير الذراع الأمنية يشتري مقعداً على طاولة القرار العالمي. لكنهم يتناسون أن من تعود على استخدام الآخرين ثم التخلي عنهم، لن يتردد في تكرار الأمر نفسه مع كل من حوله عندما تتغير الحسابات وتتحول المصالح.
لكننا هنا نذكر بلسان الحكمة والحرص، أن من يزرع بذور الفرقة في جسد عربي أنهكته الصراعات، ويغذي نيران الانقسام بين أشقاء تجمعهم روابط الدم والتاريخ، فإن لهيب ما يضرمه سيلامس حدود داره ذات يوم. ومن يعبث بسيادة الآخرين واستقرار جيرانهم، فلا يأمن على سيادته واستقراره. فالعلاقات الدولية كالبحر المدّي: ما ترتفع أمواجه اليوم، تنخفض غداً.
الكرامة الوطنية لا تقبل القسمة على اثنين، والسيادة لا تستعار من بنوك النفوذ، والوفاء للجوار ليس سلعةً قابلةً للاستيراد. ومن اعتقد أن التحامي درعٌ واق، فليقلب صفحات التاريخ ليقرأ مصير من سبقوه على هذا الدرب. فالحكيم من يستفيد من أخطاء الغير، لا من يصبح عبرةً للأجيال القادمة.
ونختم بدعوة صادقة من القلب إلى كل جار نسي نفسه ونسي إنسانيته وعروبته ونسي الله قبل ذلك: إنا نحبكم وندعو لكم في ظهر الغيب بأن يهديكم الله إلى طريق الخير والصلاح، ويجعلكم مفاتيح للبناء والإعمار، مغاليق للشر والفساد. حفظ الله أوطاننا جميعاً من كل سوء، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجمع كلمة المسلمين على ما فيه خيرهم وكرامتهم.






