الثقافية

حينما يولد الضوء من رحم العتمة.. هند الزهراني تكتب الوجع بوصفه وعيًا متجاوزا

رحمة الطويرقي _الطائف

في مسـاءٍ مختلف ، لا يشبه سـواه ، كان الإبداع يخرج من قوقعته الأولى ، متشكّلًا من رحم المعاناة ، ومتخففًا من ثقل الألم ليحكي قصته بصدقٍ عارٍ من التزييف.
في أحضان مقهى بيرفكتو ، لم يكن اللقـاء عابرًا ، بل مساحة إنسانية مفتوحة على الأسئلة العميقة ، حيث التقينا بالكلمة وهي تُداوي ، وبالحـكاية وهي تُعيد تعريف النجاة.

الكاتبة هند الزهراني حضرت بنصّها ، وبمذكّـراتها الواجمة التي خرجت من أروقة المصحّة النفسية ، لتضع الاكتئاب وثنائي القطـب في مواجهة الضوء ، لا بوصفهما وصمة ، بل تجربة إنسانية أعادت تشكيل الوعي ، وحرّرت الكتابة من كونها فعلًا جماليًا فقط ، إلى كونها فعل بقــاء.

من جهتها أكدت الكاتبة هند الزهراني ” أن
الاختباء خلف حاجز الكتاب الصامت يبعث على الشعور بالاطمئنان؛ لأنه مهما كتبتُ، لن يأتي أحدهم ويصرخ في وجهي: لماذا كتبتِ هذا أو ذاك. لطالما كنتُ صادقة مع نفسي، وكتبتُ كتاب مذكرات واجمة بدمي ونبض قلبي”.
وأضافت :
“قبل نشر الكتاب أخبرني عدة أشخاص بأن نشره هو بمثابة نشر غسيلي المتسخ أمام الملأ، لكني لم أُبالِ؛ لأنه، كما ذكرتُ في البداية، يمكنني دائماً الاختباء وعدم التجاوب مع القرّاء.
وعن فعالية المقهى أشارت الكاتبة
أن ما حصل في الفعالية كان مختلفاً بالكلية.. وقالت : “جلستُ أمام عدد من الأشخاص الحقيقيين وشاركتهم أكثر ذكرياتي سواداً في عنابر المصحّة النفسية. ذُرفت الدموع، وتلوّنت الأوجه بكل أشكال الأسى التي يمكن لأي بشريّ تقمّصها.
وعبرت عن مشاعرها بقولها “أثناء حديثي كانت تتسارع أنفاسي وتضيق رئتاي لسبب أجهله، ليس خوفاً أو ضعف ثقة، بل شيء أكبر من ذلك بكثير.
وبالرغم من سواد حديثي، فقد غمرني الحضور بلطفهم، وتقبّلوا هند كما هي دون إطلاق الأحكام المسبقة. كانت ليلة جميلة وملهمة، والأهم أني تحدثتُ عن شيء أهتم له جداً، ألا وهو التوعية بالصحة النفسية”.

وقد أثرى اللقـاء مداخلات نوعية ، أضفت على اللقاء عمقًا وجدانيًا ، وجعلت من الحوار حالة حيّــة ، نابضة ، ومـاتعة في اختلافها ، كان من أبرزها مداخلة الشاعر والإعلامي خالد قمّاش ، الذي هنّأ الكاتبة هند على وصولها إلى هذه المرحلة من الوعي والمواجهة ، مشيدًا بشجاعتها وقدرتها على تحويل التجربة إلى رسالة إنسانية.
كما عبّر الأستاذ خلف القرشي عن إعجابه العميق بتجربتها ، قائلاً أنه لو أُتيح له الأمر لمنحها شهادة ممارس صحي نفـسي ، تقديرًا لعمق التجربة ، وصدق الطرح ، وإيمانًا بأن الكتابة سبيل حقيقي للتشافي.

وقد قادت دفة الحوار منسقة الشريك الأدبي في مقهى بيرفكتو كوب الأستاذة خــلود العتيبي ، التي أمتعت الحضور بتقديمٍ واعٍ وحوارٍ رصين ، جمع بين الاحتراف والإنصات ، فكــانت الجسر الهادئ بين النصّ والروح ، وبين التجربة والمتلقي.

كــانت ليلة تقول لنا بهدوء :
إن الإبداع لا يولــد دائمًا من الرفاه ،
بل كثيرًا ما ينهض من العتمــة …
حين نمتلك الشجاعة لنروي حكايتنا كما هي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى