المقالات

طريق الهجرة النبوية (2)

في مقالي السابق عن طريق الهجرة النبوية، تناولت بالحديث عن أحد المشاريع الوطنية الكبرى المرتبطة بالسيرة النبوية، وهو مشروع (على خطاه ﷺ)، الذي جاء بوصفه رؤية متكاملة لتجربة مسار الهجرة النبوية بين مكة المكرمة والمدينة المنورة. وقد وردت بعد ذلك أسئلة متعددة من القراء والمهتمين، تمحورت حول طبيعة المشروع، ومدى جاهزيته، ومساراته الأساسية، وآلية التجربة المقترحة للزوار، وهو ما يستدعي توضيح عدد من النقاط المهمة المرتبطة بهذا المشروع النوعي.

مشروع (على خطاه ﷺ) لم يكن جهدا فرديا أو مبادرة بحثية مستقلة، بل انطلق بوصفه مشروعا وطنيا واسع النطاق، أعلن عنه معالي المستشار تركي آل الشيخ ضمن رؤية شاملة في عام 2019م، ثم عمل عليه فريق متخصص عبر مراحل متعددة، وبوتيرة مدروسة، نظرا لأهمية المشروع وارتباطه المباشر بالسيرة النبوية، وما يتقاطع معه من أبعاد تاريخية وجغرافية وتنظيمية وحوكمية، تمتد بين منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وفي هذا الإطار، كان لوجود الأستاذ الدكتور عبدالله بن حسين القاضي (أستاذ العمارة والتخطيط الحضري والإقليمي) دور محوري ومهم ضمن فريق العمل المذكور، وذلك بحكم خبرته الأكاديمية والميدانية الطويلة في دراسة المسارات النبوية والطرق التاريخية، ومعرفته العميقة بمصادر السيرة، إضافة إلى خبرته في العمل البحثي والتخطيطي المرتبط بالمشاريع الوطنية، وتقديمه لهذه المبادرة أمام المسؤولين في عام 2017م ضمن مبادرات رؤية المملكة 2030 والمرتبطة بالمسارات النبوية والتي من أهمها مسار وطريق الهجرة النبوية. وقد أسهم هذا التراكم العلمي في دعم المشروع منذ مراحله المبكرة، خصوصا في ما يتعلق بحوكمة مسار الهجرة النبوية، واقتراح الأطر العلمية التي تضمن دقة التوثيق وسلامة الربط بين الروايات والمواقع.

ويتكون المشروع في صورته الأساسية من إحدى عشرة محطة رئيسية، تم اختيارها بعناية وفق ما ثبت في الروايات الصحيحة، وما يدعمه التحليل المكاني والزماني لمسار الهجرة. ويعتمد المشروع على أن يكون طريق الهجرة النبوية هو المسار الأساس، مع إمكانية التوسع مستقبلا ليشمل مسارات نبوية أخرى، مثل الطريق النبوي إلى بدر، ومسار درب الأنبياء، وغيرها من المسارات المرتبطة بالسيرة النبوية.

أما من حيث جاهزية المشروع، فإنه لا يزال في مراحله التنفيذية النهائية، حيث يستهدف في مرحلته الأولى تقديم تجربة منظمة للزوار عبر باصات الدفع الرباعي، على أن تتوسع التجربة في المراحل اللاحقة لتشمل استقبال الزوار مشيا على الأقدام، أو عبر مسارات مخصصة للجمال، إضافة إلى وسائل تنقل حديثة، بما يحقق تنوع التجربة ويحافظ في الوقت ذاته على سلامة المواقع.

ويضم المسار مجموعة من مواقع المبيت الرئيسة، من أبرزها: أسفل عسفان، والجحفة، ووادي لقف، والغثريانة، والعرج، ووادي ريم، والجثجاثة، إضافة إلى مواقع أخرى جاري العمل على تجهيزها تباعا. وإلى جانب ذلك، توجد مواقع مرتبطة بالقصص الأساسية للهجرة النبوية، مثل موقع خيمة أم معبد، وموقع حادثة سراقة، وموقع بئر الطلوب، فضلا عن مواقع تقدم تجارب حية مرتبطة بقصص الهجرة ورحلات الشتاء والصيف، والأميال الحجرية، وفنون الرماية، وتتبع الأثر، وغيرها من التجارب التي تجعل من المسار رحلة معرفية وتفاعلية متكاملة.

وفيما يتعلق بالطاقة الاستيعابية، فأود توضيح الرقم المتداول حول استقبال اثني عشر ألف زائر يوميا، إذ لا يعني ذلك وجود هذا العدد في موقع واحد أو في وقت واحد، وإنما يعتمد النموذج التشغيلي على توزيع الزوار على اثني عشر موقعا بين نقطة بداية ونهاية، وسبعة مواقع مبيت، وثلاثة مواقع قصصية، بحيث يستقبل كل موقع ما يصل إلى ألف زائر كحد أقصى في اليوم الواحد، ضمن مجموعات متتابعة، تنتقل بين المواقع بشكل منظم، بما يضمن جودة التجربة وسلامة التشغيل.

ويأتي تنفيذ المشروع ضمن منظومة متكاملة ترتبط ببرنامجي خدمة ضيوف الرحمن وجودة الحياة (إحدى برامج رؤية المملكة 2030)، حيث تتولى هيئة الترفيه دور التنسيق والتنفيذ والدعم، بالتكامل مع هيئة تطوير المدينة المنورة، والهيئة الملكية لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وهيئة التراث والهيئة السعودية للسياحة، وبإشراف حوكمي يضمن تحقيق المستهدفات الوطنية. ويبرز في هذا السياق الدور التنفيذي لشركة صلة، الذراع المنفذ لهيئة الترفيه، والمعروفة بخبرتها في إدارة المشاريع الكبرى وتنفيذها وفق أعلى المعايير.

ويُعد الدكتور عبدالله القاضي من أبرز الباحثين المتخصصين في توثيق طريق الهجرة النبوية، وقد تميز عن غيره بعمله المبكر على جمع الروايات وتحليلها وربطها بالمكان والزمان عبر مصفوفات تحليلية غير مسبوقة، كان من أبرزها كتاب (التتبع المكاني والزماني لمعالم طريق الهجرة النبوية في روايات العلماء) الصادر عام 2011م، ثم أعماله اللاحقة في دراسة المحاولات الخرائطية لطريق الهجرة، وإنتاج أول خريطة رقمية شاملة لمعالمه عام 2012م، وصولا إلى كتابه المعروف (الهجرة النبوية المصورة)، الذي أسهم في إيصال هذا المحتوى إلى جمهور واسع داخل المملكة وخارجها، قبل أن يتاح لاحقا عبر تطبيق (هسلو – Hislo) منذ عام 2014م.

وقد كان للدكتور دور علمي محوري في مخرجات مشروع الهجرة المتكامل الذي قدمه مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، حيث أسهم في الأسس البحثية والمحتوى الأكاديمي لكل من معرض “الهجرة: على خطى الرسول ﷺ” والفيلم الوثائقي (على خُطى الرسول ﷺ)، الذي أطلق لاحقا ضمن المشروع. ويعالج الفيلم، الذي بُني على بحوث أكاديمية وميدانية امتدت لعقدين من الزمن، قصة الهجرة النبوية بصياغة إنسانية وتاريخية، مستفيدا من التحليلات العلمية التي وضعها الدكتور القاضي في تحديد مسارات الهجرة وربطها بالروايات التاريخية.

ولأن المكتبة الإسلامية في أمس الحاجة لتدوين كل ما يتعلق بالهجرة النبوية حيث تعد هذه المؤلفات مرجعا هاما للباحثين والمهتمين بالتاريخ الإسلامي والهجرة النبوية فلابد من تداولها في المكتبات العامة وإقامة الندوات العلمية لمناقشتها. فهذه الجهود تذكر وتشكر وأطلق على المؤرخ الجغرافي الدكتور القاضي حامل عبق النبوة، وأدعو الباحثين والأكاديميين أن يستعملوا علمهم لكل ما يخدم هذه الرسالة العظيمة رسالة الدين الإسلامي الحنيف ثم أيضا من المهم الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي لخدمة هذا الدين وتعزيز مكانته عالميا وتوسيع دائرة الاستفادة منه لخدمة الرسالة وهدفها الأعم “رحمة للعالمين”.

أ.د. أماني خلف الغامدي

جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى