المقالات

الصوم بين التقليد والتجديد

هناك محطات مفصلية ذات نقلات نوعية في حياة الإنسان، ولا سيما المسلم، تمرّ على البعض دون أن تنال حظها من الإلمام أو الاهتمام، رغم أهميتها في توجيه بوصلة الحياة. ويأتي في طليعتها صوم شهر رمضان المبارك، الذي يشكّل مرحلة مفصلية لها ما بعدها من حمولات إيمانية، وتأثيرات تربوية كفيلة بتحقيق اختراق إيجابي في الحياة، وإحداث تغيير جذري في سلوك المسلم نحو الأسمى خُلقًا وعملاً، مؤطَّرًا بالصلاح والاستقامة والرقي التربوي النوعي.

غير أن هذا المطلب النفيس من العسير جدًا الخلوص إليه وتحقيقه دون توفر الشروط وانتفاء الموانع، بالسبل العلمية والعملية المنضبطة. ومن المهم أولًا الإدراك الدقيق لماهية الخِلقة البشرية المكوّنة من جزأين: الروح والجسد، ولكلٍّ تطلعاته وأشواقه وحاجاته وضروراته. وتتجلّى العبقرية الإسلامية في تحقيق التوازن والاعتدال بين هذين الجزأين، بما يغطي نقاط التأثير الروحي والجسدي لدى المسلم، ويُنتج في الوقت ذاته طاقة إيمانية وتربوية موجَّهة بالوحي المعصوم وأدواته العملية والنفسية، بعيدًا عن التنطّع والغلو والتشدد، كما هو بعيد عن التمييع والانفلات؛ إذ تستحيل هذه الانحرافات جميعها إلى عوائق أمام إحداث التغيير الحقيقي في أنماط الشخصية المسلمة عبر عبادة الصوم، التي لا غنى عنها لسائر المكلفين، كما قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

وفي الآية دلالة واضحة على حقيقة أثر الصوم في إنتاج ملكة التقوى، وشحن روع الصائم بالأمل المفعم بتحقيق هذا المقام الجليل. وهنا تبرز أهمية التركيز على الهدف التعبدي الأعظم، الذي تميل إليه الأفئدة، وتتعلّق به القلوب، وتشخص إليه الأبصار، وهو الظفر بأعلى وسام وأرقى رتبة في الإسلام: التقوى.

ومن هنا تنشأ المقارنة بين الصيام التقليدي والصيام التجديدي؛ فالصيام التقليدي هو الصيام المتوارث الذي غلبت عليه تراكمات التقاليد وصوائل العادات، فأُخرج من لبوس العبادة إلى رتابة العادة، وانطبع برسوم وأنماط متوارثة، يأتي في مقدمتها الاهتمام المبالغ فيه بألوان الطعام والشراب وأصناف الملهيات. ويهمّنا هنا البحث في صدى ذلك وتأثيره على مخرجات الصوم الأخلاقية والنفسية والسلوكية.

فنجد أن بعض الناس يبدأ الشهر بنشاط تعبدي ثم يخفت رويدًا رويدًا، بينما ينساق آخرون وراء السهر من أجل الظفر بوجبة السحور، يتبع ذلك نوم مطبق طوال النهار، ثم الاستيقاظ لالتهام وجبة الإفطار، وهكذا دواليك. وتجد ربات البيوت أنفسهن في عرين المطابخ، يكابدن عناءً كبيرًا. تلك صورة نمطية للتقاليد المقترنة بعبادة الصوم.

وبضدها تتميّز الأشياء؛ فالمقصود بتجديد الصوم هو إزالة ما تراكم عليه من عاديات الدهر، وما تواطأ عليه البعض من رسوم مجانبة لمقاصد العبادة، وإعادته إلى سابق عهده نقيًا زكيًا.

ويأتي في طليعة معالم تجديد الصوم ما يلي:
1. استحضار الصائم لعِلّة فرضية الصوم الشرعية.
2. التنويه بحكمة تشريع الصوم، وتحقيق الصائم ذلك في سلوكه وأخلاقه.

ومعلوم لدى علماء أصول الفقه أن العلّة المنصوصة والمستنبطة تمثل مراد الله عز وجل من التشريع، ولها أدواتها العلمية الرصينة عبر تخريج المناط وتحقيقه، ضمن منظومة لغوية وفقهية دقيقة تشمل التعليل والترغيب والرجاء، وهي أدوات تغطي جميع شعائر الصوم.

وتلي ذلك معرفة الحكمة من تشريع الصوم، حيث نلحظ فرضيته على جميع الأمم، توافقًا مشتركًا بين الرسالات السماوية، كما في قوله تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.

وقد فصل الفقهاء تفصيلًا علميًا دقيقًا في ماهية الصوم وأركانه وواجباته وسننه، تحقيقًا لمراد الله عز وجل، ومن المناسب استعراض أبرز الضوابط لضمان صيام مؤثر مقبول، ومنها:
1. تحقيق ركني الصيام: النية العامة لشهر رمضان، مع استحضار نية صيام كل يوم من الليل.
2. اجتناب محظورات الصوم المادية من طعام وشراب وعلاقات زوجية.
3. ربط قبول الصوم بترك المحظورات المعنوية كالغيبة والغضب والظلم وشهادة الزور، كما في الحديث:
«من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه».
4. استحضار نية الاحتساب، كما في الحديث:
«من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه».
5. المراجعة اليومية للصيام، مع الاستغفار عن التقصير، وأداء ما يلزم من كفارة إن وجبت.
6. الاستعداد الفقهي والعملي لتحري ليلة القدر، خاصة في العشر الأواخر، دون الانشغال بعلاماتها أو تغليب ليلة الختم عليها.
7. إخراج زكاة الفطر لمستحقيها الحقيقيين لتؤتي ثمارها وتكون كفارة لما شُرعت له.
8. إظهار الفرح يوم العيد، والتجمل، والتعطر، والتكبير من ليلة إعلان هلال شوال حتى صلاة العيد.
9. من أقبح القبيح الهجران في هذا اليوم المبارك، والتنكر لحقوق صلة الرحم والجوار والأخوة.
10. تغليب الرجاء على الخوف في قبول العمل؛ فهو يوم توزيع الجوائز.

آتاكم من الخلاقِ فضلٌ معظمُ
فجودوا بجهدٍ لا يَنهنهُ في المدى

وخلوا الهوينا للضعيفِ وللردى
وسيروا إلى الله سيراً مُؤكدا

وصوموا لشهرٍ قد تهادى إليكُمُ
فضائلُه ترقى سمواً وتُقتدى

وتمحو ذنوباً قد تعاظمَ وقعُها
وتَخرجُكم خلقاً جديداً مُغرِّدا

منابُعه في العالياتِ مقامُها
فلا خابَ من يسعى ولاخابَ موردا

أ.د. غازي غزاي العارضي

استاذ الدعوة والثقافة بجامعة الاسلامية وجامعة طيبة سابقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى