تُعدّ البرامج الدرامية من أكثر البرامج جذبًا للجمهور، بأشكالها المختلفة؛ مسلسلات أو سلاسل أو أفلام أو مقاطع فيلمية، لما تلامسه من مشاعر وتجارب إنسانية، وما تحمله من تشويق وإثارة، وتعاطف مع الشخصيات، وعرض لقصص تشبه حياة الناس في بعض جوانبها. فهي تُحاكي الواقع، وتقدّم خبرات إنسانية متنوعة، بما تحمله من رسائل بنّاءة، وترفيه مقصود، وهروب مؤقت من ضغوط الحياة. وقد تتناول القضايا بأسلوب درامي يُسهم في إيقاظ الوعي، كما قد تُسهم – في جانب آخر – في التأثير السلبي على السلوك الفردي والمجتمعي.
ويمكن تناول بعض الإشكاليات المرتبطة بالدراما الرمضانية بطرح نقدي موضوعي، مع التركيز على الدراما العربية في شهر رمضان؛ نظرًا لكثافتها في هذا الموسم، بما قد يتناقض مع خصوصية رمضان بوصفه موسمًا إيمانيًا يتضاعف فيه الأجر، وتُستثمر أوقاته في العبادة والقراءة والتقارب الأسري. إذ تتحول ساعات المساء أحيانًا إلى ماراثون مشاهدة يمتد لساعات طويلة يوميًا، مما يؤدي إلى تقليص وقت الطاعة والذكر، ويترتب عليه إرهاق ذهني وسهر يؤثر على إنتاجية اليوم التالي، ليتحول رمضان من موسم روحي إلى موسم ترفيهي بحت.
كما يلاحظ في بعض الأعمال الدرامية انتشار السطحية وتكريس التفاهة، مع اعتماد على حبكات مكررة أو إثارة مفتعلة، من خلال تضخيم قصص ثانوية على حساب القيم العميقة، وتسطيح قضايا اجتماعية معقدة دون معالجة جادة، مما يسهم في إضعاف الذائقة الفنية، وإشاعة ثقافة الاستهلاك السريع.
ومن الجوانب السلبية أيضًا الترويج لبعض القيم غير المنسجمة مع القيم الدينية والاجتماعية، من خلال تقديم شخصيات منحرفة بصورة جذابة أو بطولية، أو تسويق العنف والخيانة والعلاقات غير المنضبطة دون سياق نقدي واضح، مما قد يؤدي إلى تطبيع هذه السلوكيات وترسيخها في الوعي المجتمعي.
كذلك تُسهم بعض الأعمال في تكريس الفوارق الطبقية، عبر عرض أنماط حياة مترفة بشكل مبالغ فيه؛ من قصور وسيارات فارهة وأزياء باهظة، مقابل تصوير نمطي للفقر لا يعكس الواقع، مما يعزز الفجوة الشعورية بين الطبقات، ويخلق حالة من الإحباط أو المقارنة غير الواقعية لدى الشباب، وقد يدفع بعضهم إلى البحث عن وسائل غير مشروعة لتحقيق هذا النمط من الحياة، فضلًا عن تعزيز ثقافة الاستهلاك المفرط وصناعة طموحات غير واقعية.
ومع ذلك، ومن باب الإنصاف، فإن الدراما العربية ليست كلها سلبية؛ إذ قدمت بعض الأعمال معالجات راقية لقضايا اجتماعية حساسة، وقدّمت نماذج ملهمة للشباب، وأسهمت في إحياء قيم التضامن والعدالة والتكافل. فالمشكلة ليست في الدراما ذاتها، بل في نوع المحتوى، وجرعات المشاهدة، ووعي المتلقي.
وعليه، فإن الدراما الرمضانية سلاح ذو حدين؛ إذا أُحسن استثمارها تركت أثرًا إيجابيًا في المجتمع، والعكس صحيح. وهي بحاجة إلى رفع مستوى النصوص والإنتاج، وتعزيز الرقابة الذاتية المجتمعية، وإدارة الوقت بما يتناسب مع روحانية الشهر. كما يمكن أن تؤدي دورًا إيجابيًا في الترفيه ولمّ شمل الأسرة، ومعالجة القضايا الاجتماعية بطريقة مسؤولة، ودعم الاقتصاد الإبداعي من خلال تنمية قطاعات الإنتاج والتمثيل والكتابة والإخراج والإعلان، بوصفها جزءًا من الصناعة الثقافية، بما يسهم في تحسين جودة الحياة، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
• عضو هيئة تدريس سابق بقسم الإعلام – جامعة أم القرى
• مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية





