تتغير وظيفة الجامعة اليوم بوتيرة غير مسبوقة تحت تأثير الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي واقتصاد الابتكار. فأعادت هذه المتغيرات تشكيل طبيعة المعرفة وسوق العمل والقيمة الاقتصادية للمهارات، وأصبح العالم يتحرك بسرعة تتجاوز قدرة النماذج الجامعية التقليدية على الاستجابة. وفي خضم هذا التسارع، لم تعد قيمة الجامعة تُقاس بقدرتها على الحفاظ على صورتها التاريخية، بل بقدرتها على إعادة تعريف دورها في عالم تتغير فيه طبيعة المعرفة نفسها.
وفي سياق هذه المتغيرات، بدأت الجامعات حول العالم مراجعة بنيتها ووظائفها ومساراتها الأكاديمية. وبرزت إعادة الهيكلة الجامعية كأحد أبرز مظاهر التغيير في التعليم الجامعي المعاصر. غير أن هذا المفهوم كثيرًا ما يُختزل في إجراءات تتعلق بخفض الإنفاق أو دمج الكليات وتقليص الوحدات الأكاديمية، حتى بدا الأمر وكأنه مجرد معالجة تنظيمية أو استجابة مالية مؤقتة.
وتكمن إحدى أكثر الإشكالات شيوعًا في النقاشات المرتبطة بالتحول الجامعي في اختزال إعادة الهيكلة في التقليص المالي، بينما تكشف التجارب العالمية أن هذا الفهم يمثل تسطيحًا لمفهوم أكثر عمقًا وتعقيدًا. فالجامعات الكبرى لا تبني تحولاتِها على منطق الخفض المجرد، بل على قدرتها على تطوير دور الجامعة وأثرها داخل منظومة الاقتصاد والمعرفة والمجتمع.
ولهذا لا تُدار إعادة الهيكلة في الجامعات المتقدمة كمشروع تقشف، بل كتحول استراتيجي يعيد تحديد موقع الجامعة داخل المشروع الوطني للتنمية. فلا يتعلق الأمر بإلغاء وحدات أكاديمية أو تقليص أعداد الكليات فحسب، بل بتوجيه الموارد نحو المجالات الأعلى أثرًا، وبناء منظومات أكثر مرونة وقدرة على التفاعل مع المتغيرات المتسارعة. ويظهر أثر ذلك في توجيه التمويل البحثي، وبناء الشراكات العلمية، وتطوير العلاقة بين الجامعة والاقتصاد الوطني.
ولم يعد البناء الأكاديمي في كثير من الجامعات العالمية يدور حول الكليات التقليدية بمفردها، بل حول مراكز بحثية ومنصات معرفية تجمع بين تخصصات متعددة لمعالجة قضايا تتداخل فيها التقنية والطب والاقتصاد والسياسات العامة. كما لم تعد قيمة الجامعة مرتبطة بعدد كلياتها أو حجمها الإداري، بل بقدرتها على إنتاج معرفة أكثر تكاملًا وتأثيرًا.
وقد مثّل معهد ماساتشوستس للتقنية وجامعة ستانفورد نموذجين بارزين لهذا المسار؛ إذ أعادا بناء جزء مهم من منظومتيهما البحثية والابتكارية حول الحوسبة والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال والشراكات التقنية، عبر كيانات تتجاوز البناء التقليدي للكليات والأقسام.
وفي جامعات مثل هارفارد وأكسفورد، اتجهت التغييرات المؤسسية نحو تعزيز الدراسات البينية وتوسيع المراكز البحثية المرنة، مع الحفاظ على التوازن بين العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية والاجتماعية. فهذه الجامعات لم تصل إلى مكانتها عبر إقصاء التخصصات الأقل ربحية، بل عبر قدرتها على الجمع بين المعرفة التي تصنع الاقتصاد والمعرفة التي تصنع الوعي.
أما في الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة، فارتبط التحول الجامعي بالمشروع الوطني للتنمية، وأصبحت الجامعة جزءًا من استراتيجية بناء القوة العلمية والسيادة التقنية والتنافسية العالمية، لا مجرد مؤسسة تعليمية منفصلة عن أولويات الدولة.
ورغم اختلاف هذه التجارب، فإنها تكشف منطقًا حاكمًا مشتركًا: لا تعيد المؤسسات الجامعية الرائدة بناء هياكلها لتصبح أصغر، بل لتصبح أكثر قدرة على تشكيل المعرفة وصناعة الأثر. ولهذا تقوم التحولات الناجحة على رؤية تحدد اتجاه التغيير وغاياته، لا على الاكتفاء بإجراءات تنظيمية أو مالية معزولة.
فهذه المؤسسات لا تتحرك بدافع الضغوط المؤقتة، بل انطلاقًا من تصور يحدد موقع الجامعة داخل منظومة الإنتاج والابتكار والقيمة العلمية. كما تحافظ على الوظيفة المعرفية للجامعة، حتى لا تتحول الكفاءة المالية إلى معيار وحيد يعيد تعريف قيمة التخصصات والبحوث. فالجامعة التي تُدار بمنطق التوفير قد تنجح في خفض نفقاتها، لكنها قد تخسر تدريجيًا قدرتها على توليد المعرفة وصناعة الأثر.
ويرتبط نجاح هذا المسار أيضًا بقدرة الجامعة على بناء بنى مؤسسية أكثر مرونة تسمح بتكامل التخصصات وتفاعلها، لا بمجرد التوسع في المجالات المستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية والطاقة المتجددة والأمن السيبراني. وجوهر القضية هنا يرتبط بقدرة الجامعة على تطوير نموذجها المعرفي في ضوء المتغيرات الكبرى، لا بمجرد إضافة تخصصات جديدة.
وتكتسب هذه التحولات بعدًا أكثر حساسية في المملكة العربية السعودية اليوم، في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها منظومة التعليم الجامعي، بدءًا من الاستقلال المالي والإداري ورفع كفاءة الإنفاق وتنمية الإيرادات، ووصولًا إلى التوسع في التخصصات المستقبلية وربط المخرجات باحتياجات التنمية الوطنية. وتمثل هذه التحولات جزءًا من مشروع وطني واسع تقوده رؤية السعودية 2030، وتسنده مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية الهادفة إلى بناء اقتصاد أكثر تنافسية وتعزيز الابتكار وتنمية القدرات البشرية.
وقد عزز نظام الجامعات الجديد هذا الاتجاه عبر إعادة صياغة العلاقة بين المنظومة الوطنية والجامعة على أساس الاستقلالية المنضبطة والحوكمة المؤسسية. فمنح الجامعات صلاحيات أوسع في بناء لوائحها الأكاديمية والمالية والإدارية وتنمية مواردها الذاتية وإعادة تنظيم بنيتها المؤسسية وبرامجها، ضمن إطار تشريعي وتنظيمي يشرف عليه مجلس شؤون الجامعات.
وهنا تبرز إحدى القضايا الحاسمة في نجاح التحول الجامعي: كيف تُصنع قرارات إعادة الهيكلة داخل الجامعة؟ فالتحولات الكبرى في الجامعات المتقدمة لا تُفرض بوصفها قرارات إدارية معزولة، بل تُبنى عبر مجالس الحوكمة والمؤسسات الأكاديمية استنادًا إلى بيانات واضحة ومعايير معلنة ومشاركة فاعلة من أصحاب المصلحة. فكلما اتسعت المشاركة المؤسسية وارتفعت الشفافية، ازدادت قدرة الجامعة على تحويل إعادة الهيكلة من إجراء تنظيمي إلى مشروع يحظى بالثقة والاستدامة.
وبرز مؤخرًا توجه لإعادة تنظيم الخريطة الجامعية عبر خفض عدد الكليات وتقليص التكرار وإعادة النظر في بعض الفروع والتخصصات ذات الجدوى المحدودة. ولا تكمن المشكلة في هذه التغييرات بحد ذاتها؛ فالجامعات الرائدة لا تُبقي خرائطها الأكاديمية ثابتة، بل تعيد توزيع مواردها وبناها وفق متغيرات الطلب والأثر والتنافسية.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه التحولات لا تُقاس بعدد الكليات التي أُغلقت أو الفروع التي دُمجت، بل بقدرة هذا المسار على بناء منظومة جامعية أكثر تكاملًا وتميزًا وارتباطًا بالأولويات الوطنية. فالجامعات لا تُبنى بمنطق التماثل الكامل، بل بمنطق تنوع الأدوار وتوزيع مجالات التميز، لأن قوة المنظومات الجامعية العالمية تنبع من التكامل لا من التكرار.
وتبدو الحاجة اليوم ملحة إلى بناء إطار سعودي حاكم للتحول الجامعي، يقوم على ربط التغيير المؤسسي بمستهدفات التنمية الوطنية طويلة المدى، لا بمنطق المؤشرات التشغيلية المجردة. كما يتطلب هذا المسار الحفاظ على التوازن بين التخصصات المستقبلية والعلوم الأساسية والإنسانية، لأن الاقتصادات الكبرى لا تُبنى بالمهارات التقنية وحدها، بل بالقدرة على إنتاج الفكر والابتكار والثقافة.
ويبقى السؤال الجوهري في إعادة الهيكلة: هل أصبحت الجامعة أكثر قدرة على إنتاج المعرفة وبناء الإنسان والاستجابة لمتطلبات التنمية وصناعة الأثر، أم أن التغيير توقف عند حدود التقليص الإداري؟
فالجامعات التي تختزل التحول في تقليص الهياكل قد تنجح إداريًا على المدى القصير، لكنها تخاطر تدريجيًا بفقدان وظيفتها المعرفية ورسالتها الحضارية. أما الجامعات ذات التأثير العالمي، فلم تبلغ مكانتها لأنها قلّصت هياكلها، بل لأنها امتلكت القدرة على إعادة تعريف دور الجامعة في زمن التحولات الكبرى. وفي ظل التحول الذي تعيشه المملكة اليوم، لن يُقاس نجاح الجامعات بحجم ما تُقلّصه من هياكل، بل بقدرتها على إنتاج أثر علمي وفكري يقود التنمية، وبناء جامعات تمتلك أثرًا حضاريًا واقتصاديًا يتجاوز حدود التكيّف المؤقت إلى المشاركة في تشكيل مستقبل الوطن.
• أستاذ القيادة التربوية
• مدير عام التعليم بمنطقة مكة سابقًا





