من أعجب ما يروى عن رحلات الحج قديماً تلك الطرق الطويلة التي كان يسلكها المسلمون شوقاً إلى بيت الله الحرام، وفي مقدمتها “طريق الحج الإفريقي”، الذي كان يقطعه مسلمو وسط وغرب إفريقيا عبر مسافات شاسعة تجاوزت سبعة آلاف كيلومتر، في رحلة تستغرق عاماً كاملاً أو يزيد للوصول إلى الأراضي المقدسة.
وكان الحجاج يخرجون قبل موسم الحج بوقت طويل، يسيرون على الأقدام عبر الصحارى والسهول والجبال، متحملين حرارة الشمس وقسوة الطريق، مدفوعين بإيمان عميق ورغبة صادقة في أداء الركن الخامس من أركان الإسلام.
ولأن حمل الطعام والمؤن طوال هذه الرحلة المرهقة كان أمراً بالغ الصعوبة، فقد ابتكر الحجاج وسيلة ذكية تساعدهم على مواصلة الطريق؛ إذ كانوا يصطحبون معهم قطعاناً من الأبقار والجاموس والماعز، فيستفيدون من ألبانها ولحومها أثناء السفر، فإذا بلغوا الموانئ المطلة على البحر الأحمر باعوا ماشيتهم، وجعلوا أثمانها نفقة للحج ورحلة العودة.
ولم تكن طرق الحج كلها موحشة أو خالية من مظاهر الرعاية؛ فقد حرص سلاطين المسلمين وأهل الخير على إنشاء الأسبلة والخانات والتكايا والآبار على امتداد الطرق، لتوفير الماء والطعام والمأوى للحجاج. وكانت هذه المنشآت تمثل صورة مشرقة من صور التكافل الإسلامي وخدمة ضيوف الرحمن.
ومن أشهر طرق الحج القديمة أيضاً “درب زبيدة”، الذي يربط العراق بمكة المكرمة، وقد اشتهر بما أُقيم عليه من برك للمياه ومحطات للراحة أمرت بإنشائها زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد. كما عرف المسلمون “طريق الشام” الذي كانت تنطلق عبره قوافل الحجاج من دمشق مروراً بالأردن وشمال الجزيرة العربية حتى مكة، إضافة إلى “طريق مصر” الذي كانت تسلكه القوافل القادمة من القاهرة عبر سيناء إلى الحجاز.
وكانت قوافل الحج تمثل موسماً عظيماً تتلاقى فيه الشعوب الإسلامية المختلفة، فتتبادل التجارة والثقافات والمعارف. وكثيراً ما كان بعض الحجاج يتوقفون في المدن العلمية الكبرى مثل القاهرة ودمشق والقيروان، لطلب العلم وحضور مجالس العلماء قبل مواصلة الرحلة.
ورغم ما في تلك الأسفار من مشقة وعناء، فإنها كانت تترك في النفوس أثراً عميقاً؛ إذ يعود الحاج إلى بلاده محملاً بالتجارب والذكريات، وقد ازداد علماً وإيماناً، ويسبق اسمه لقب “الحاج”، الذي كان يحظى بمكانة اجتماعية واحترام كبير بين الناس.
إن تأمل طرق الحج القديمة يكشف جانباً عظيماً من صبر المسلمين وإصرارهم على أداء الفريضة مهما بعدت المسافات وقست الظروف، ويجعلنا ندرك حجم النعمة التي نعيشها اليوم مع تيسّر وسائل النقل وسهولة الوصول إلى بيت الله الحرام.





