
تجولت في أروقة وزارة التعليم وبعض المواقع الحكومية للاطلاع على المهام والمسؤوليات المناطة بالملحقيات الثقافية السعودية في الخارج. فوجدت أن من أبرز مهامها الجوانب الأكاديمية، مثل متابعة الطلبة السعوديين منذ حصولهم على القبول الجامعي وحتى تخرجهم، ومتابعة أدائهم الدراسي، والتواصل مع الجامعات بما يخص التقارير الأكاديمية لهم، إضافة إلى زيارة الجامعات والمعاهد التي يدرسون بها والتواصل مع مسؤوليها.
كما تشمل مهامها الجوانب العلمية والبحثية، من خلال بناء العلاقات مع الجامعات ومراكز الأبحاث في الدول المضيفة، والمشاركة في إعداد وصياغة اتفاقيات التعاون الأكاديمي والبحثي بين المؤسسات التعليمية في المملكة ونظيراتها في الخارج.
أما في الجانب الثقافي، فتتولى الملحقيات الثقافية تعزيز التبادل الثقافي بين المملكة والدول المضيفة، ومتابعة ما يُنشر إعلامياً عن المملكة في الجوانب العلمية والثقافية. كما تضطلع بمهام إدارية ومالية، وتمثل المملكة رسمياً في نطاق اختصاصها.
هذه المهام والمسؤوليات ليست باليسيرة، لكنها في الوقت نفسه ليست مستحيلة. وإذا أردنا تسليط الضوء على الجوانب الثقافية تحديداً، فسنجد أنها تحمل مسؤوليات واسعة ومتشعبة. فالمملكة العربية السعودية تزخر بتنوع ثقافي ثري وجذاب يعكس عمقها التاريخي والحضاري. ففي شمال المملكة يظهر التأثر التاريخي بطرق التجارة والحج وبلاد الشام، بينما تمثل منطقة نجد في الوسط الثقافة النجدية التقليدية، والعرضة النجدية، وقلب الدولة التاريخي.
أما منطقة الحجاز في غرب المملكة، فتُعد من أكثر المناطق تنوعاً بحكم استقبالها الحجاج والمعتمرين عبر القرون، مما أسهم في تكوين مزيج ثقافي عربي وإسلامي وعالمي فريد. وفي الجنوب تتجلى مختلف اللهجات والعادات والتقاليد والفنون الشعبية، مثل الخطوة والعرضة الجنوبية. أما المنطقة الشرقية فقد تأثرت تاريخياً بالتجارة البحرية والخليج العربي، وارتبطت ثقافتها بالغوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك، واشتهرت بفنون شعبية مثل العرضة السيفية. وهناك الكثير من المناطق التي لا يمكن حصرها في مقال.
إن هذا التنوع الثقافي الكبير “ناهيك عن بداية تأسيس الدولة السعودية” يضع القارئ أمام تساؤل مهم: إلى أي مدى يمكن للملحقيات الثقافية، في ظل تعدد مسؤولياتها الأكاديمية والإدارية والبحثية، أن تقوم بدور شامل في نشر الثقافة السعودية والتعريف بمكوناتها المتنوعة في مختلف أنحاء العالم؟
ولا يعني طرح هذا التساؤل التقليل من جهود الملحقيات الثقافية أو منجزاتها، وإنما يسلط الضوء على أهمية التخصص وتوزيع الأدوار. فكما نجحت وزارة الثقافة خلال السنوات الأخيرة في إبراز الموروث الثقافي السعودي وتعزيز حضوره محلياً ودولياً، فقد يكون من المناسب مستقبلاً دراسة إنشاء ملحقيات أو مكاتب ثقافية تتبع إدارياً لوزارة الثقافة، وتُعنى بشكل متخصص بالتعريف بالإرث الثقافي السعودي، وتنظيم المعارض والمؤتمرات والفعاليات الثقافية في الخارج، بالتنسيق مع الممثليات والجهات السعودية ذات العلاقة (مثل الملحقية الثقافية حالياً).
وفي الختام، يبقى كل شخص حامل للجنسية السعودية خير سفير لوطنه وثقافته السعودية العربية والإسلامية، يسهم بسلوكه وأخلاقه وإنجازات دولته في تقديم الصورة المشرقة للمملكة أينما كان.
• جامعة برونيل لندن، بريطانيا
