المقالات

دوستويفسكي ورسالة الوفاء التي تتجاوز الجمال

تُروى عن الأديب الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي قصةٌ بليغة في معنى الوفاء والمحبة الصادقة، وهي قصة انتشرت بصيغ متعددة، وتستوقف القارئ لما تحمله من دلالات إنسانية عميقة تتجاوز المظاهر الخارجية إلى جوهر العلاقة بين الزوجين.

وتنسب إلى دوستويفسكي كلمات مؤثرة يخاطب بها زوجته، مفادها أن هناك نساءً أجمل منها وأطول قامة وأكثر حضوراً، وأخريات قد يُظهرن له اهتماماً أكبر أو يبدين لطفاً أكثر في تفاصيل الحياة اليومية، لكنه مع ذلك يختارها هي ويحبها دون سواها. فالحب الحقيقي لا يقوم على المقارنات العابرة ولا على فتنة المظهر، بل على المودة والوفاء والمشاركة الصادقة في رحلة الحياة.

ولعل ما يمنح هذه الكلمات قيمتها الرمزية أن حياة دوستويفسكي نفسها لم تكن سهلة؛ فقد عرف المرض والفقر والديون وتقلبات الحياة القاسية. وفي مثل هذه الظروف لا يبقى إلى جانب الإنسان إلا من ارتبط به برباط المحبة الصادقة والإخلاص العميق. فالشريك الوفي لا يُقاس بما يملكه من جمال أو مكانة، بل بما يقدمه من دعم وسند في أوقات الشدة قبل الرخاء.

إن العلاقات الإنسانية الناجحة لا تُبنى على الكمال، لأن الكمال غير موجود في البشر، وإنما تُبنى على القبول والتغافل والتقدير المتبادل. فالإنسان قد يجد من يفوق شريك حياته في صفة أو أكثر، لكنه لا يجد بسهولة من يشاركه الذكريات والتضحيات والمواقف والمشاعر التي صنعتها السنوات.

ومن هنا تأتي الرسالة الأجمل في هذه الحكاية: أن الوفاء ليس مجرد شعور عابر، بل قرار يومي يتجدد مع الأيام. فالمحبة الحقيقية هي أن يرى الإنسان مزايا الآخرين، ثم يظل متمسكاً بمن اختاره قلبه وعقله، تقديراً للعشرة وحفظاً للود وصوناً للذكريات.

وفي زمن تتسارع فيه العلاقات وتتبدل فيه القناعات، تبقى قصص الوفاء الصادق تذكيراً بأن أجمل ما في الحب ليس بدايته المبهرة، بل استمراره النبيل وقدرته على الصمود أمام تقلبات الحياة.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى