المقالات

ماذا يعني أن نبدأ عاماً هجرياً جديداً؟

مع إشراقة اليوم الأول من العام الهجري الجديد 1448، نجد أنفسنا منهمكين كالعادة في تبادل التهاني والأمنيات المعتادة. لكن، بعيداً عن بروتوكولات التهنئة، ثمة سؤال يطرح نفسه في هذه المحطة الزمنية: ماذا يعني فعلاً أن نبدأ عاماً هجرياً جديداً؟

وللإجابة على ذلك علينا أن نتذكر أن التاريخ الهجري لم يبدأ بيوم ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ولا بيوم وفاته، بل بدأ بـ “العمل والحركة والتغيير” وهو الهجرة.

هذا الاختيار العبقري من الصحابة رضوان الله عليهم للتأريخ، لم يكن عفوياً. لم يربطوا تقويمنا بحدث عاطفي مجرد، بل ربطوه بـ “فلسفة الحركة”. الهجرة في جوهرها لم تكن مجرد رحلة جغرافية من مكان إلى مكان، بل كانت إعلاناً صريحاً بأن البقاء في مربعات السكون والانتظار لا يصنع مجد ولا يغيّر واقعاً.

إنها رسالة واضحة لكل واحد منا اليوم، ونحن نفتتح أول يوم وأول شهر من العام الجديد: إن لم نتحرك، فلن نتغير.

كم نحن بحاجة اليوم، كأفراد ومجتمعات، إلى استلهام هذا المعنى. العام الجديد ليس مجرد رقم يتبدل على شاشات هواتفنا أو على صفحات التقويم، بل هو “ميقات” فريد لتصفير العدادات الفكرية، والنفسية، ومراجعة الذات بكثير من التفكر والتدبر .

في مجتمعنا المعاصر، يستسلم الكثير منا لتحديات الحياة ونقف عاجزين بين الشكوى والانتظار؛ ننتظر أن تتغير الظروف، أو أن تتبدل الأحوال من تلقاء نفسها. وتأتي ذكرى الهجرة لتذكرنا بأن التغيير يبدأ من الداخل، بالخطوة الأولى، بالانتقال من حال الكسل إلى حال العمل، ومن سلبية النقد إلى إيجابية البناء، ومن العادات الهدامة التي تستنزف طاقاتنا ووقتنا إلى مساحات الإنجاز والعطاء.

الهجرة التي نحتاجها اليوم هي هجرة واعية ترفض كل ما يعيق حركتنا الإنسانية؛ أن نهاجر من عشوائية التخطيط إلى انضباط التنفيذ، ومن هدر الوقت في ما لا يفيد إلى استثماره في مساحات الإنجاز.
الزمن محايد تماماً، فهو مجرد وعاء فارغ لا يمنحنا قيمة إن لم نملأه نحن بالعمل والتدبير. ويأتي عام 1448هـ ليؤكد لنا أن التغيير ليس أمنية تُكتب، بل سلوك يُعاش، متناغمين في ذلك مع وطنٍ يقودنا إلى التغيير بالحركية المستمرة عبر رؤية طموحة تسابق الزمن ولا تعترف بالوقوف.
لنملأ عامنا بالحركة والعمل، نحو نسخة أفضل من أنفسنا، ومن مجتمعنا، وتواكب رؤية وطننا. كل عام وأنتم، والوطن، في حركية مستمرة نحو القمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى