من أجمل ما تتناقله الذاكرة الشعبية في مكة المكرمة ذلك المثل البليغ:
“ما لقى بالورد عيب قال عليه أحمر الخدين”
ويضرب لمن يبحث عن العيوب في مواضع الجمال، أو لمن يعجز عن رؤية الإيجابيات مهما كانت واضحة ومشرقة. وفي بيئات العمل، لا يكاد يوجد شعور أكثر إحباطًا للموظف المخلص والمتميز من أن يبذل جهده، ويحسن أداءه، ويحقق النتائج، ثم يجد أن كل ذلك لا يرى، وأن عدسة التقييم لا تلتقط إلا الهفوات الصغيرة أو الملاحظات الهامشية. فبدلًا من أن يكافأ التميز، يصبح التميز نفسه موضع تشكيك، وبدلًا من أن تقدر الإنجازات، تختزل في ملاحظات لا تغير من جوهر النجاح شيئًا.
إن القائد الناجح لا يبحث عن الأخطاء ليصنع منها قضية، بل يبحث عن النجاحات ليبني عليها مستقبلًا أفضل. أما القائد الذي اعتاد النظر إلى مرؤوسيه بعين الناقد الدائم، فإنه مع مرور الوقت يخلق بيئة يسودها الإحباط، ويزرع مشاعر الظلم وعدم التقدير بين العاملين معه، مهما كانت نواياه حسنة.
فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى التقدير كما يحتاج إلى الأجر، ويحتاج إلى الاعتراف بجهوده كما يحتاج إلى فرص التطور. وعندما يشعر الموظف أن إنجازاته تمر مرور الكرام، بينما تُضخَّم أخطاؤه أو تفسر نجاحاته بتفسيرات تقلل من قيمتها، يبدأ شعور الانتماء بالتراجع، ويضعف الولاء المؤسسي، وتتآكل الحماسة التي كانت تدفعه للعطاء والإبداع.
والأخطر من ذلك أن المؤسسات لا تخسر في هذه الحالة موظفًا واحدًا فحسب، بل تخسر ثقافة التميز نفسها. فالمتميزون يراقبون طريقة التعامل مع زملائهم، وعندما يرون أن الجهد لا يُقدَّر، وأن الإنجاز لا يُحتفى به، فإنهم يتعلمون سريعًا أن بذل الحد الأدنى من الجهد أكثر أمانًا من الاجتهاد والابتكار.
لقد أثبتت التجارب الإدارية الحديثة أن المؤسسات المزدهرة هي تلك التي يتقن قادتها فن ملاحظة الإيجابيات قبل السلبيات، ويجيدون بناء الثقة قبل توجيه النقد، ويمنحون التقدير في موضعه دون تردد أو بخل. فالكلمة الطيبة قد ترفع إنتاجية فريق كامل، والاعتراف الصادق بجهد أحد العاملين قد يصنع ولاءً يمتد سنوات طويلة.
ليس المطلوب من القائد أن يغض الطرف عن الأخطاء، فالتقويم ضرورة، والمحاسبة ركيزة من ركائز النجاح المؤسسي. لكن الفرق كبير بين قائد يصحح الأخطاء ليُنمّي القدرات، وقائد يبحث عن الأخطاء ليؤكد سلطته أو يبرر عدم رضاه الدائم.
إن أعظم القادة هم أولئك الذين يرون الورد وردًا، ويعترفون بجماله، ثم يساعدونه على أن يزداد جمالًا. أما من لا يرى في الورد إلا لون خديه، فإنه لا يظلم الورد وحده، بل يحرم نفسه ومؤسسته من عبير العطاء وروعة الإنجاز.
وفي النهاية، يبقى التقدير العادل أحد أهم مفاتيح القيادة الناجحة، فالموظفون لا ينسون من أنصفهم، ولا ينسون من منحهم الثقة، كما لا ينسون من جعلهم يشعرون بأن جهودهم مرئية ومحل احترام. وحين يسود هذا النهج، تتحول بيئة العمل إلى بيئة انتماء وإبداع، ويصبح النجاح ثقافةً راسخةً لا إنجازًا عابرًا.







