«خلف الخطوط»
لم يعد مشهد الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط تفصيلاً هامشياً في معادلات الأمن والسياسة، بل أصبح أحد أعمدة التوازنات الداخلية والإقليمية. فمن لبنان إلى العراق واليمن، نشأت تشكيلات مسلحة في لحظات انهيار أو ضعف أو انقسام، ثم تحولت تدريجياً إلى قوى موازية للدولة، تمتلك السلاح والموارد والشرعية الاجتماعية، وتستند إلى دعم خارجي منظم. وهكذا لم تعد هذه الجماعات خارج الدولة بالمعنى التقليدي، بل أصبحت داخلها وحولها بل وفوقها، تتقاطع وتتعارض مع مؤسساتها حيناً، وتنافسها حيناً آخر، وتتعامل معها بندّية حين تضعف الدولة أو تتراجع قدرتها على فرض القانون.
إنّ السلاح هنا ليس مجرد أداة قتال، بل هو تعبير عن خلل عميق في بنية الدولة، وعن فراغ سياسي واجتماعي لم يعد قادراً على احتواء الجميع. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس كيف نجمع السلاح، بل كيف نعيد بناء الدولة بحيث يصبح السلاح خارجها استثناءً وليس قاعدة، ويصبح الانتماء للدولة ومؤسساتها أقوى من الانتماء للتنظيم.
حين تتراجع الدولة، ويتقدّم السلاح
تاريخ الجماعات المسلحة في المنطقة يكشف نمطاً ثابتاً، فكلما ضعفت الدولة وتحولت الى دولة هشّة (Fragile State) تتحوّل الى بيئة مناسبة تماما لنشوء وتمدّد الجماعات، وكلما غابت الثقة بالمؤسسات، بحثت المجتمعات عمن يحميها بدلاً عنها. ففي لبنان نشأ حزب الله في ظل حرب أهلية واحتلال ودولة عاجزة. وفي العراق تمددت الفصائل المسلحة بعد انهيار الدولة عام 2003، ووجدت في الفراغ الأمني والسياسي فرصة لتثبيت وجودها. وفي اليمن استغل الحوثيون هشاشة الدولة وتصدعها الداخلي ليصبحوا قوة عسكرية وسياسية مهيمنة.
هذه الحالات تكشف أن السلاح ليس أصل المشكلة، بل نتيجة لغياب الدولة أو انقسامها. فحين يشعر المواطن بأن الدولة لا تمثله ولا تحميه، يصبح مستعداً للانخراط في جماعة توفر له هوية وانتماء وحماية. وهكذا تتحول الجماعة المسلحة إلى دولة مصغرة داخل الدولة، تمتلك مواردها، وتفرض قوانينها، وتبني شبكاتها الاجتماعية والاقتصادية.
لكن العامل الأكثر حساسية في هذا المشهد هو دور الوكيل الإقليمي، ولعلّ أبرز الأمثلة على هذا الوكيل هو (إيران). فالكثير من الجماعات المسلحة في المنطقة لا تتحرك وفق حسابات محلية فقط، بل ترتبط بمحاور إقليمية تمنحها التمويل والسلاح والتدريب، وتستخدمها كأدوات نفوذ في ساحات متعددة. هذا الارتباط يجعل قرار الجماعة غير مستقل، ويحوّل أي محاولة لتفكيكها إلى معركة معقّدة تتجاوز حدود الدولة نفسها. فالوكيل الإقليمي يرى في هذه الجماعات امتداداً لمشروعه، ويعتبر نزع سلاحها أو دمجها تهديداً مباشراً لنفوذه، فيعمل على إعاقة أي مسار وطني يسعى لاستعادة الدولة لاحتكار العنف المشروع.
لماذا تفشل الدول في تفكيك الجماعات المسلحة؟
تفكيك الجماعات المسلحة ليس قراراً إدارياً، بل عملية سياسية وأمنية واجتماعية معقدة، والدول تفشل غالباً لأنها لا تمتلك القوة لفرض قراراتها، أو لأنها تعاني انقساماً سياسياً يجعل أي خطوة نحو نزع السلاح تبدو وكأنها استهداف لطائفة أو مكوّن بعينه. وفي بعض الحالات تصبح المؤسسة العسكرية نفسها جزءاً من الصراع، أو خاضعة لتوازنات طائفية أو حزبية، ما يفقد الدولة أداتها الأساسية في فرض القانون.
إلى جانب ذلك، تخشى الحكومات من أن يؤدي نزع السلاح بالقوة إلى حرب أهلية، خصوصاً حين تكون الجماعات متجذرة اجتماعياً. ولذلك تلجأ إلى التعايش بدل المواجهة، ما يطيل عمر المشكلة ويمنح الجماعات مزيداً من الوقت لتعزيز نفوذها.
لكن العامل الأكثر تعقيداً هو الوكيل الإقليمي الذي يرى في بقاء الجماعة المسلحة ضمانة لمصالحه، ويستخدم نفوذه السياسي والمالي والإعلامي لتعطيل أي مسار وطني يسعى إلى تفكيكها. وهكذا تصبح الدولة محاصرة بين جماعة مسلحة في الداخل، ووكيل إقليمي في الخارج، وشعب ينتظر دولة قادرة على فرض القانون.
التفكيك المرحلي هو الطريق الأكثر واقعية
في ضوء هذه التعقيدات، يصبح التفكيك الفوري خياراً غير واقعي، بل محفوفاً بالمخاطر. أما التفكيك المرحلي، فهو المسار الأكثر قابلية للتطبيق، لأنه يسمح للدولة باستعادة احتكار العنف المشروع دون خلق فراغ أمني أو دفع الجماعات إلى العمل السري.
هذا المسار يبدأ بالحصر الشامل للسلاح والمقاتلين والتمويل والارتباطات الخارجية، لأن الدولة لا تستطيع تفكيك ما لا تعرف حجمه. ثم يأتي فصل الجناح السياسي عن الجناح العسكري، بحيث يصبح العمل السياسي خاضعاً لقانون الأحزاب لا لقانون السلاح. وبعد ذلك تبدأ عملية فرز الأفراد، وهي خطوة حساسة تهدف إلى التمييز بين العناصر القابلة للدمج وبين المتورطين في جرائم خطيرة أو المرتبطين بتنظيمات مصنفة أو المصرّين على الاحتفاظ بقرار مستقل.
ثم يأتي الدمج الفردي المنضبط داخل الأجهزة الأمنية، وهو دمج يقوم على معايير مهنية صارمة، ويشمل التحقق الأمني والتدريب وإعادة التصنيف المهني. أما من لا يصلحون للتجنيد، فيُعاد إدماجهم في المجتمع عبر مسارات مدنية تشمل التدريب والتوظيف والتأهيل النفسي والاجتماعي. وفي النهاية، لا بد من مسار قانوني واضح للتعامل مع الرافضين أو المتورطين في انتهاكات، مع احتكار الدولة التدريجي للعنف المشروع.
لكن هذا المسار لن ينجح ما لم تُعالج معضلة الوكيل الإقليمي. فالدولة التي لا تمتلك قرارها السيادي، أو التي تخضع لضغوط خارجية، لن تستطيع فرض مسار تفكيك حقيقي. ولذلك فإن أي عملية نزع سلاح لا بد أن تكون جزءاً من تسوية سياسية إقليمية تضمن وقف التدخلات، وتمنح الدولة القدرة على فرض القانون دون خوف من ردود فعل خارجية.
شروط النجاح: بناء الدولة قبل جمع السلاح
لا يمكن لأي عملية تفكيك أن تنجح إذا بقيت الدولة ضعيفة أو منقسمة أو فاقدة للثقة العامة. فإصلاح القطاع الأمني يحتاج إلى حوكمة وفحص أمني صارم، وفصل مؤسسي واضح بين السياسة والسلاح، وربط أي عملية دمج برقابة مركزية ومساءلة فعلية. وفي البيئات الهشة يصبح الحل أكثر تعقيداً، ويحتاج إلى عدالة توزيعية، وتنمية محلية، وتقليص الشعور بالتهميش، حتى لا يتحول السلاح إلى بديل عن المواطنة.
كما أن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج تنجح حين تكون جزءاً من تسوية سياسية شاملة، لا مجرد إجراء إداري أو أمني معزول. فالجماعات المسلحة لا تتخلى عن السلاح إلا حين تشعر أن مشاركتها السياسية مضمونة، وأن مصالح جمهورها لن تُسحق بمجرد دخولها في بنية الدولة. وفي المقابل لا يمكن للدولة أن تستوعب هذه الجماعات دون أن تمتلك القدرة على فرض القانون، وضبط السلاح، ومنع ازدواجية الولاء.
ختاماً..
تفكيك الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط لا يتحقق بقرار أمني، بل عبر مسار تدريجي يقوم على إعادة بناء الدولة، واستعادة القرار السيادي، ومعالجة دور الوكيل الإقليمي، وحصر السلاح، وفرز الأفراد، والدمج الفردي المنضبط، والإدماج المدني، والمساءلة القانونية.
والنجاح هنا لا يُقاس بكمية السلاح الذي يُجمع، بل بقدرة الدولة على بناء علاقة ونظام اجتماعي جديد يجعل الانتماء للمؤسسات أقوى من الانتماء للتنظيمات والجماعات، ومن دون ذلك ستتكرر الدورة نفسها (سلاح، ثم تسوية ناقصة، ثم إعادة إنتاج للجماعات المسلحة بأسماء جديدة).






