بقلم – د. أحلام الزهراني
جامعة الملك عبدالعزيز
أثارت الحادثة المتداولة لسائقة في السعودية تلفظت بألفاظ مسيئة تجاه رجل ووالدته موجة واسعة من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، وهو أمر مفهوم في ظل رفض المجتمع لمثل هذه السلوكيات التي تمس كرامة الآخرين وتتجاوز حدود الاحترام المتبادل. ومن المهم التأكيد منذ البداية أن الإساءة اللفظية سلوك غير مقبول أخلاقياً واجتماعياً، سواء صدرت من رجل أو امرأة، وأن الخطأ يبقى خطأ بغض النظر عن هوية مرتكبه.
إلا أن ما لفت الانتباه في جانب من النقاشات المصاحبة للحادثة هو انتقال البعض من انتقاد السلوك ذاته إلى انتقاد المرأة لأنها امرأة. فقد ركزت بعض التعليقات على أن الألفاظ لا تليق بالأنثى أو أنها تتعارض مع الصورة التي ينبغي أن تكون عليها المرأة، بينما تجاهلت أن المشكلة الأساسية تكمن في الإساءة نفسها، لا في جنس من ارتكبها.
إن القيم التي يقوم عليها الاحترام والأدب لا تخص الرجال دون النساء، ولا النساء دون الرجال. فحين يخطئ الرجل ويستخدم ألفاظاً مسيئة، فإن المجتمع ينتقد سلوكه، وحين تخطئ المرأة يجب أن يكون المعيار ذاته هو الحاكم. أما ازدواجية المعايير التي تجعل الخطأ أكثر فداحة فقط لأنه صدر من امرأة، فهي لا تخدم العدالة ولا تعزز القيم التي نسعى لترسيخها.
ومن الملاحظ أيضاً أن بعض الأصوات ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث استغلت الحادثة للتشكيك في حق المرأة في القيادة أو للإشارة إلى أن السماح للمرأة بالقيادة كان قراراً غير صائب. وهذا الربط يفتقر إلى المنطق؛ لأن الحقوق العامة لا تُقاس بأخطاء الأفراد. فلو طبقنا هذا المعيار على جميع القضايا لوجدنا أنفسنا نطالب بمنع كثير من الحقوق والممارسات بسبب تصرفات فردية معزولة.
ومن المؤسف أن بعض التعليقات ذهبت إلى استحضار ملف قيادة المرأة وكأن تصرفاً فردياً يمكن أن يكون دليلاً على صحة أو خطأ قرار وطني استراتيجي. فالحق في القيادة لم يُمنح للمرأة في السعودية كردة فعل عابرة أو استجابة لمطالب آنية، بل جاء ضمن رؤية تنموية شاملة ودراسات مستفيضة هدفت إلى تعزيز مشاركة المرأة وتمكينها من أداء أدوارها الاجتماعية والاقتصادية بصورة أكثر استقلالية وكفاءة.
ومن غير المنصف أن يتم تقييم هذا التحول الاجتماعي المهم من خلال حادثة فردية أو سلوك شخص واحد. فالسياسات العامة تُقاس بأثرها على المجتمع ككل، وبما تحققه من منافع ومكتسبات على المدى الطويل، لا بتصرفات استثنائية قد تصدر من أفراد رجالاً كانوا أم نساءً. وكما أن خطأ رجل لا يدفعنا إلى التشكيك في حق جميع الرجال في القيادة، فإن خطأ امرأة لا ينبغي أن يكون مبرراً للطعن في حق منح المرأة هذه المسؤولية أو التشكيك في جدوى القرار ذاته.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إنكار أن المجتمع ينظر إلى المرأة في كثير من الأحيان بمعايير أكثر صرامة، ويتوقع منها مستوى أعلى من الاتزان والحكمة في القول والتصرف. ورغم أن هذا الأمر قد يكون محل نقاش من حيث العدالة والمساواة في المعايير، إلا أنه يمثل واقعاً اجتماعياً قائماً لا يمكن تجاهله ويجب إحترامه. ومن هنا تبرز مسؤولية المرأة في أن تكون أكثر حرصا لتقديم نموذجاً إيجابياً يعكس قيم الاحترام والوعي، خصوصاً في ظل ما حظيت به من فرص وتمكين خلال السنوات الماضية. فكلما ارتفعت مساحة الثقة والمسؤولية الممنوحة للفرد، ارتفعت معه أهمية الالتزام بالأنظمة واللوائح والتصرف بعقلانية وحكمة في مختلف المواقف.
إن المرأة السعودية اليوم تمثل نفسها وأسرتها ووطنها في مواقع متعددة، ولذلك فإن المحافظة على السلوك الحضاري والالتزام بالقيم والأنظمة لا يعد استجابة لتوقعات المجتمع فحسب، بل هو إسهام في ترسيخ الصورة المشرقة للمرأة التي أثبتت قدرتها على تحمل المسؤولية والمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية. وفي المقابل، فإن هذه المسؤولية لا تعفي المجتمع من تطبيق معيار واحد على الجميع، بحيث يُدان الخطأ لذاته دون تضخيمه أو ربطه بجنس مرتكبه.






