المقالات

حين يصبح الغباء معياراً للحقيقة

بقلم – د . عبدالله علي النهدي

تثير المقولة المنسوبة إلى الروائي الروسي ليو تولستوي ( Leo Tolstoy ): ” ينبغي أن نٌقدِر رأي الأغبياء، كونهم هم الأغلبية هذه الأيام”، قدراً كبيراً من الجدل والتأمل. فبعيداً عن قسوة التعبير وحدّته، تفتح هذه العبارة الباب أمام سؤال فلسفي واجتماعي عميق: هل تمثل الأغلبية دائماً الحكمة؟ وهل يصبح الرأي صحيحاً لمجرد أن عدداً كبيراً من الناس يؤمن به؟ قد تبدو المقولة في ظاهرها حكماً متعالياً على الناس، لكنها في جوهرها يمكن أن تُقرأ بوصفها نقداً لظاهرة اجتماعية متكررة، وهي الميل إلى منح الرأي الشائع سلطة تفوق قيمته الحقيقية، والخلط بين الانتشار والصواب، وبين الشعبية والحكمة. لقد أثبت التاريخ في أكثر من محطة أن الحقيقة لم تكن دائماً حليفة الأغلبية. فكثير من الأفكار العلمية والفلسفية والإصلاحية بدأت آراءً محدودة ومرفوضة، قبل أن تثبت الأيام صحتها. وفي المقابل، تبنت مجتمعات بأكملها أفكاراً ومعتقدات ثبت لاحقاً خطؤها أو محدوديتها. وهذا لا يعني أن الأغلبية مخطئة دائماً، وإنما يؤكد أن معيار الحقيقة لا ينبغي أن يكون عدد المؤيدين، بل قوة الحجة وسلامة الدليل.

وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت هذه الظاهرة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فقد يحصد أحد مشاهير المنصات ملايين الإعجابات والتفاعلات على عبارة ركيكة أو فكرة سطحية أو محتوى ترفيهي عابر، بينما لا تحظى تغريدة لعالم متخصص، أو مفكر، أو سياسي محنك، أو رجل دين يقدم طرحاً عميقاً، إلا بتفاعل محدود قد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. وليس المقصود من ذلك التقليل من الجمهور أو اتهامه بالجهل، بل الإشارة إلى أن آليات الانتشار الرقمي لا تقيس القيمة الفكرية، وإنما تكافئ غالباً ما يجذب الانتباه ويثير العاطفة ويحقق التفاعل السريع. لقد خلقت المنصات الرقمية واقعاً جديداً أصبحًت فيه الشهرة تُنتج شهرة أخرى، وأصبح عدد المتابعين والإعجابات في كثير من الأحيان معياراً وهمياً للمصداقية والعمق. وهنا تكمن المفارقة؛ فقد يكون صاحب الرأي الأكثر تأثيراً في المجتمع هو الأقل حضوراً على المنصات، بينما يكون الأكثر حضوراً والأوسع انتشاراً أقلهم إسهاماً في بناء الوعي أو إثراء المعرفة. ومع ذلك، فإن الخطأ الأكبر هو تحويل هذا النقد إلى دعوة لاحتقار الناس أو تجاهل آرائهم. فاحترام الرأي العام لا يعني التسليم بصحته، كما أن مخالفة الأغلبية لا تجعل صاحبها حكيماً بالضرورة. فالحكمة الحقيقية تكمن في القدرة على الاستماع إلى الجميع، ثم إخضاع الآراء للعقل والنقد والبرهان.

لعل الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من المقولة المنسوبة إلى تولستوي ليست أن الأغلبية تفتقر إلى الحكمة، بل أن الحقيقة لا تُقاس بعدد من يصفق لها، وأن القيمة الفكرية لا تُمنح بالإعجابات والمشاركات، وإنما بما تمتلكه الفكرة من منطق وعمق وقدرة على الصمود أمام النقد والاختبار. ففي زمن أصبحت فيه الشعبية تُشبه الحقيقة، ربما نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى التمييز بين ما هو شائع، وما هو صحيح.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى