في عام 2019 زرت أخي الراحل فيصل -رحمه الله- في منطقة جازان، فاصطحبني في جولة بين مدنها وقراها. استمتعنا بجمال طبيعتها، ولذة مأكولاتها، وكرم أهلها، وأصالة أسواقها الشعبية التي ما زالت تحتفظ بروحها القديمة. وفي أحد تلك الأسواق استوقفتني معصرة تقليدية للسمسم، جمل معصوب العينين يدور في دائرة لا منتهية، يدفع بذراع خشبية متصلة بعمود المعصرة الخشبي، بينما ينساب زيت السمسم برائحته الزكية وطعمه الشهي. جلسنا مع صاحب المعصرة، وبعد أن أكرمنا بالقهوة والشاي وحسن الضيافة-كعادة أهل جازان، دار الحديث عن طريقة عملها. سألته: أما فكرت يوما في استبدال الجمل بوسيلة أخرى تؤدي المهمة؟ فأجاب مبتسما: لا. شرحت له فكرة بسيطة تقوم على استخدام ذراع معدنية يحركها محرك كهربائي صغير، بل رسمت على الأرض مسار الحركة لأوضح كيف يمكن إنجاز العمل بجهد أقل وإنتاج أكبر. استمع باهتمام، لكنه ظل مترددا. ربما لم يرفض الفكرة لذاتها، وإنما كان يخشى ما قد يترتب عليها، فالمألوف، وإن كان أقل كفاءة، يبقى أكثر طمأنينة من تجربة غير مضمونة النتائج. عندها أدركت أن الحديث لم يعد عن معصرة السمسم، بل عن الإنسان نفسه. فالإنسان بطبعه لا يقاوم التغيير لأنه جديد، وإنما لأن ما اعتاده يمنحه شعورا بالأمان. وقد يواصل بذل جهد أكبر في سبيل المحافظة على واقع يعرفه، بينما يتردد في تجربة قد تكون أسهل وأنفع، لمجرد أنها غير مألوفة.
ولعل قصة تلك المعصرة تتكرر في حياة كل واحد منا. فلكل منا معصرة سمسم خاصة، وجمل يدور في دائرة اعتادها ،، أسلوب في العمل، أو طريقة في الإدارة، أو عادة قديمة، أو قناعة رسخت مع الزمن. وكثيرا ما نتمسك بهذه الدائرة، لا لأنها الأفضل، بل لأنها أصبحت جزءًا مما أعتدنا عليه.
ولا يقتصر هذا النمط على الأفراد، بل يمتد إلى المجتمعات والدول. ولعل التجربة السعودية الحديثة تقدم مثالًا واضحًا على أن التغيير لا يعني التخلي عن الماضي وعراقته، وإنما البناء عليه والانطلاق منه. فقد انطلقت رؤية السعودية 2030 من قلب الهوية الوطنية، واعتزت بالإرث العربي والإسلامي، ثم عملت على تطويره وتعزيز عناصر القوة فيه لتفتح آفاقا أوسع للمستقبل، وتزيد الوطن قدرة على المنافسة عالميا.
وكلما تذكرت ذلك الجمل الذي ظل يدور في الدائرة نفسها، ثم نظرت إلى ما تشهده المملكة من تحول متسارع، ازددت يقينا بأن التقدم لا يتحقق بالضرورة بالتمسك بما اعتدناه، وإنما بامتلاك الشجاعة الكافية لمنح الأفكار الجديدة فرصة للتجربة. فالماضي حين يكون أساسا نبني عليه، يصبح بداية الطريق إلى غد أجمل ومستقبل أرحب.
• أكاديمي



