
تنتهي الساعات التدريبية، وتُسلَّم الشهادات، ويغادر المتدربون القاعة، لكن الاختبار الحقيقي للبرنامج يبدأ بعد ذلك: هل تحولت المهارة إلى وظيفة؟ وهل تحسن دخل الشاب؟ وهل استطاع إطلاق مشروع أو تطبيق ما تعلمه في بيئة العمل؟
هذا السؤال يضع مراكز التدريب أمام مسؤولية تتجاوز تقديم الدورات، إلى متابعة رحلة المتدرب المهنية وقياس ما أحدثه البرنامج من تغيير فعلي في قدراته وفرصه الاقتصادية.
وبالتزامن مع اليوم العالمي لمهارات الشباب 2026، الموافق 15 يوليو، يؤكد المدير العام لمركز نوادر المعرفة محمد بن عبدالله القحطاني أن قطاع التدريب يشهد تحولًا جوهريًا، لم يعد معه منح الشهادة هدفًا نهائيًا، بل أصبحت القيمة الحقيقية في إعداد كوادر تمتلك مهارات عملية وقادرة على المنافسة في سوق عمل سريع التغير.
ويأتي اليوم العالمي هذا العام تحت شعار «مهارات من أجل مستقبل مشترك»، مع التركيز على المهارات التقنية والرقمية والمرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاستدامة، إلى جانب المهارات الاجتماعية والقيادية التي يحتاج إليها الشباب للعمل وريادة الأعمال والمشاركة المجتمعية.
النجاح يبدأ بما يحدث بعد البرنامج
يرى القحطاني أن قياس نجاح البرامج التدريبية لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الساعات أو الشهادات الممنوحة، بل يجب أن يمتد إلى النتائج التي يحققها المتدرب بعد انتهاء البرنامج.
وقال:
«نؤمن بأن نجاح أي برنامج تدريبي يُقاس بما يحققه المتدرب بعد انتهاء البرنامج، وليس بعدد ساعات التدريب أو الشهادات الممنوحة».
ويعني ذلك الانتقال من مؤشرات تقيس حجم النشاط، مثل أعداد المسجلين ونسب الحضور، إلى مؤشرات تكشف أثر التدريب، وفي مقدمتها التوظيف، والتطور المهني، وتحسن الدخل، واستمرار المشروعات التي أسسها المتدربون.
فقد ينجح البرنامج في استقطاب مئات المشاركين، لكنه لا يحقق أثرًا حقيقيًا إذا لم يتمكن المستفيدون من استخدام المهارات التي تعلموها، أو تحويلها إلى فرصة مهنية أو اقتصادية.
من المعلومات إلى الممارسة
يبدأ تصميم البرنامج الفاعل، بحسب القحطاني، بتحديد المهارات المطلوبة فعليًا في سوق العمل، ثم تحويلها إلى مخرجات تعلم واضحة ومهام يمكن للمتدرب تنفيذها وقياسها.
ولا يقتصر هذا النموذج على المحاضرات النظرية، بل يشمل التطبيقات العملية، ودراسات الحالة، ومحاكاة بيئات العمل، والمشروعات الفردية والجماعية، إلى جانب تكليف المتدربين بتنفيذ مبادرات واقعية بالتعاون مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي.
وأوضح القحطاني:
«هذه الممارسات تمنح المتدرب فرصة لاكتساب الخبرة والثقة، وتساعده على بناء ملف مهني يعكس قدراته الفعلية».
ويمثل ملف الإنجاز المهني أحد الأدلة التي يمكن للشاب تقديمها لجهة العمل؛ إذ يوثق المشروعات التي نفذها، والمشكلات التي عالجها، والنتائج التي حققها، بدلًا من الاعتماد على الشهادة بوصفها الدليل الوحيد على امتلاك المهارة.
186 متدربًا انتقلوا إلى مشروعات عملية
يورد القحطاني تجربة دورة تجفيف الفواكه والخضراوات بوصفها نموذجًا للتدريب المرتبط بفرصة اقتصادية قابلة للتطبيق.
وأوضح أن الدورة نُفذت تحت إشراف وزارة البيئة والمياه والزراعة، وشارك فيها 186 متدربًا، انتقلوا بعد التدريب إلى إطلاق مشروعات تتناسب مع قدراتهم وفرص السوق، بحسب إفادته. والاسم الرسمي للوزارة هو «وزارة البيئة والمياه والزراعة».
كما أشار إلى تنفيذ دورات حرفية في محافظة خليص من خلال شراكة مع المحافظة، بما يعكس أهمية تصميم البرامج وفق الاحتياجات والفرص المتاحة داخل كل مجتمع محلي.
وتكشف هذه النماذج أن التدريب يصبح أكثر تأثيرًا عندما ينطلق من نشاط اقتصادي أو مهارة مطلوبة، وينتهي بمنتج أو مشروع أو فرصة يمكن للمتدرب البناء عليها.
الأعداد تقيس الوصول.. والنتائج تقيس الأثر
لا تلغي أهمية قياس الأثر الحاجة إلى معرفة أعداد المتدربين ونسب الإكمال، لكنها تضع هذه المؤشرات في موقعها الصحيح؛ فهي تقيس مدى وصول البرنامج، ولا تثبت وحدها نجاحه.
ويحدد القحطاني مجموعة من المؤشرات التي ينبغي متابعتها بعد انتهاء التدريب، تشمل:
- نسبة المتدربين الذين حصلوا على وظائف.
- مدى تطورهم داخل وظائفهم الحالية.
- التحسن الذي طرأ على مستويات دخلهم.
- عدد المشروعات الريادية التي أُطلقت.
- قدرة هذه المشروعات على الاستمرار.
- مدى استخدام المهارات المكتسبة في العمل.
- مستوى رضا جهات التوظيف عن كفاءة الخريجين.
ويتطلب تطبيق هذه المؤشرات إنشاء نظام لمتابعة الخريجين دوريًا، وإجراء قياسات بعد ثلاثة أو ستة أشهر من انتهاء البرنامج، ومقارنة أوضاع المتدربين قبل التدريب وبعده.
وقال القحطاني:
«بناء نظام لمتابعة الخريجين يمثل أحد أهم عناصر الجودة والاستدامة؛ لأنه يتيح تطوير البرامج التدريبية باستمرار وفق النتائج الفعلية».
سوق العمل يجب أن يشارك في تصميم التدريب
تتغير احتياجات سوق العمل بسرعة، خصوصًا مع توسع التحول الرقمي ودخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى معظم المهن؛ ولذلك لا تستطيع الجهات التدريبية الاستمرار في تقديم الحقائب نفسها لسنوات دون مراجعة.
ويرى القحطاني أن ربط البرامج بالسوق يتطلب شراكة مستمرة مع أصحاب الأعمال والقطاعات المختلفة، لرصد الوظائف والمهارات المطلوبة، ومراجعة المحتوى، والمشاركة في تقييم المشروعات والمتدربين.
وتستطيع المراكز إثبات ارتباط برامجها بالسوق من خلال تقديم بيانات واضحة حول الجهات التي شاركت في تصميم البرنامج، والمهارات المستهدفة، ونسب التوظيف، وتقييم أصحاب العمل، والنتائج التي حققها الخريجون.
كما يتقاطع هذا التوجه مع النقاشات العالمية حول بناء نظم تدريب أكثر شمولًا ومرونة واستعدادًا للمستقبل، ودمج المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي والمهارات الخضراء والاجتماعية والمدنية في برامج التعلم والتدريب.
الذكاء الاصطناعي ليس مهارة تقنية فقط
لا تقتصر المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على المبرمجين والمتخصصين في علوم الحاسب، بل أصبحت مطلوبة في الإدارة والإعلام والتسويق والتعليم والخدمة الاجتماعية والموارد البشرية وريادة الأعمال وغيرها من المجالات.
ويؤكد القحطاني ضرورة دمج مهارات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والتحول الرقمي، والأمن السيبراني، داخل البرامج التدريبية، إلى جانب المهارات القيادية والتواصل والعمل الجماعي وإدارة المشروعات.
ويحتاج المتدرب إلى مزيج متوازن يجمع بين:
- استخدام الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
- تحليل المعلومات والبيانات.
- التحقق من النتائج والمصادر.
- حماية الخصوصية والبيانات.
- حل المشكلات واتخاذ القرار.
- التواصل والعمل ضمن فريق.
- إدارة الوقت والمشروعات.
- التعلم المستمر والتكيف مع التغير.
فالهدف ليس مجرد تعريف الشاب بالأداة، بل تمكينه من استخدامها في تخصصه بطريقة واعية ومنتجة ومسؤولة.
التدريب من أجل التمكين
يطرح القحطاني مفهوم «التدريب من أجل التمكين» بوصفه الاتجاه الذي ينبغي أن تتبناه مراكز التدريب خلال المرحلة المقبلة.
ويقوم هذا المفهوم على ألا تنتهي علاقة المركز بالمتدرب عند تسليم الشهادة، بل يستمر دوره من خلال الإرشاد المهني، والتوجيه، وربط الخريجين بفرص التدريب التعاوني والتوظيف وريادة الأعمال، ومساعدتهم على بناء ملفاتهم المهنية.
وقال:
«يجب أن يصبح مركز التدريب شريكًا في رحلة المتدرب المهنية، وليس مجرد جهة تقدم دورة تدريبية وتنتهي علاقتها به».
ويتطلب ذلك أن تتعامل المراكز مع كل برنامج باعتباره مسارًا متكاملًا يبدأ بتشخيص احتياجات المتدرب والسوق، ويمر بالتعليم والتطبيق، ثم ينتقل إلى المتابعة والربط بالفرص وقياس الأثر.
توصيات عملية
دعا القحطاني إلى تصميم برامج قائمة على الكفايات المطلوبة فعليًا في سوق العمل، وزيادة نسبة المشروعات والتطبيقات الواقعية داخل التدريب، وإنشاء نظم مستمرة لمتابعة الخريجين.
كما أوصى ببناء شراكات استراتيجية مع جهات التوظيف والقطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، وتحديث الحقائب بصورة دورية لمواكبة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والوظائف المستقبلية.
وعلى مستوى الشباب، شدد على أهمية التعلم المستمر، وبناء المحافظ المهنية الرقمية، واكتساب الخبرة العملية إلى جانب المؤهلات الأكاديمية والشهادات.
الخلاصة
لا تثبت جودة البرنامج التدريبي في يومه الختامي، وإنما تظهر عندما يستخدم الشاب المهارة التي تعلمها، ويحصل على فرصة أفضل، أو يطور أداءه، أو يحسن دخله، أو يؤسس مشروعًا قادرًا على الاستمرار.
ومن هنا، يصبح الانتقال من التدريب من أجل الشهادة إلى التدريب من أجل التمكين شرطًا أساسيًا لبناء جيل قادر على التعامل مع سوق العمل المتغير، وتحويل المعرفة إلى إنتاج وفرص وأثر تنموي مستدام.
ويأتي هذا النقاش بالتزامن مع ختام المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة 2026، الذي انعقد في نيويورك من 7 إلى 15 يوليو، بوصفه المنصة المركزية للأمم المتحدة لمتابعة تنفيذ أهداف التنمية المستدامة.
«نجاح البرنامج التدريبي يُقاس بما يحققه المتدرب بعد انتهائه، وليس بعدد الساعات أو الشهادات».
«التطبيقات والمشروعات الواقعية تمنح المتدرب الخبرة والثقة، وتساعده على بناء ملف مهني يعكس قدراته».
«مركز التدريب يجب أن يصبح شريكًا في رحلة المتدرب المهنية، وليس مجرد جهة تقدم دورة وتنتهي علاقتها به».






