
في ضوء ما طرحه المنتدى السياسي رفيع المستوى حول تفاوت التقدم العالمي في الصناعة والابتكار والبنية التحتية، وما أكده من أهمية البنية الرقمية والبحث والتطوير والتمويل ونقل التكنولوجيا، يقدم الدكتور متعب المرشدي قراءة سعودية تربط هذه المخرجات بمستقبل الصناعة الذكية وبما يعرضه معرض «تعزيز الاستدامة في المملكة العربية السعودية» من نماذج للتحول والتنفيذ.
كيف يعيد التحول الرقمي والتقنيات المتقدمة تشكيل مستقبل الصناعة عالميًا؟
قال الدكتور متعب المرشدي إن مخرجات الهدف التاسع تؤكد أن التحول الرقمي لم يعد مسارًا تقنيًا مساعدًا، بل أصبح أحد المحركات الرئيسة لإعادة تشكيل الإنتاج العالمي ورفع كفاءته.
وأضاف: «لم يعد التحول الرقمي مجرد خيار تقني، بل هو المحرك الجوهري لإعادة تعريف مفهوم القيمة في الصناعة الحديثة. نحن نشهد انتقالًا من الإنتاج التقليدي إلى الإنتاج الذكي والمستدام، حيث تعمل تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتوائم الرقمية، على رفع كفاءة سلاسل الإمداد، وتقليل الهدر في الموارد، وتعزيز مرونة المصانع في مواجهة المتغيرات».
وأوضح المرشدي أن القيمة الحقيقية للتقنيات المتقدمة تظهر في قدرتها على تحويل البيانات الصناعية الضخمة إلى معرفة قابلة للاستخدام في الوقت المناسب، بما يمكّن المنشآت من توقع الأعطال، وتحسين استهلاك الطاقة والمواد، ورفع سرعة الاستجابة للتغيرات في الأسواق وسلاسل الإمداد.
وتابع: «إن التقنيات المتقدمة اليوم تمنحنا القدرة على تحويل البيانات الضخمة إلى قرارات استباقية، مما يجعل الصناعة أكثر قدرة على التكيف مع متطلبات الاقتصاد الأخضر، ويتيح إنشاء نماذج أعمال لم تكن ممكنة من قبل، ويضع الابتكار في قلب الهيكل الصناعي العالمي».
وتنسجم هذه القراءة مع ما ناقشه المنتدى بشأن دور الذكاء الاصطناعي والرقمنة في تطوير الإنتاج والخدمات اللوجستية وكفاءة استخدام الموارد، مع ضرورة ألا تؤدي الفجوات في البيانات والمهارات والبنية الرقمية إلى زيادة التفاوت بين الدول.
ماذا يعني التعامل مع البيانات والأنظمة الرقمية بوصفها بنية تحتية استراتيجية؟
يرى المرشدي أن دعوة المنتدى إلى اعتبار البيانات والأنظمة الرقمية جزءًا من البنية التحتية الاستراتيجية تعني أن مستقبل الصناعة لن يُبنى فقط على المصانع والطرق والموانئ والطاقة، بل على الأنظمة الحاسوبية والشبكات والمنصات القادرة على إدارة هذه الأصول بكفاءة.
وقال: «البنية التحتية الرقمية أصبحت الأساس الذي يربط الإنتاج بالبيانات، والبحث العلمي بالتطبيق الصناعي، والقرار التشغيلي بالقدرة على التنبؤ. وكلما كانت هذه البنية أكثر قوة ومرونة، أصبحت الصناعة أكثر قدرة على التكيف والمنافسة والاستمرار».
وبحسب المرشدي، فإن تطوير النماذج الهندسية الحاسوبية والشبكات العميقة والخوارزميات المتقدمة يسمح بتحليل مجموعات كبيرة ومعقدة من البيانات، واستخراج مؤشرات تساعد في تحسين العمليات، ورفع كفاءة الإنتاج، وتقليل الفاقد، ودعم القرارات الصناعية المبنية على الأدلة.
ومن هذا المنظور، لا تصبح الرقمنة غاية مستقلة، بل أداة لبناء صناعة أكثر مرونة واستدامة، وهو ما يربط بين التقدم التقني ومقاصد الهدف التاسع المتعلقة بالتصنيع والابتكار والهياكل الأساسية.
لماذا يعد الاستثمار في البنية التحتية المستدامة والبحث والتطوير ضرورة لتعزيز القدرة التنافسية؟
قال المرشدي إن مخرجات المنتدى أظهرت أن التقدم في البحث والتطوير لا يزال متفاوتًا بين الاقتصادات، وأن امتلاك المعرفة لا يكفي ما لم تتحول إلى تطبيقات ومنتجات وحلول صناعية.
وأضاف: «في اقتصاد المعرفة العالمي، أصبحت القدرة التنافسية للدول مرتبطة بمدى قوة ومرونة بنيتها التحتية المستدامة. والاستثمار في هذه البنية ليس تكلفة إضافية، بل استثمار طويل الأمد يضمن استمرارية النمو الاقتصادي، ويقلل من الأثر البيئي للصناعات».
وأوضح أن البنية التحتية المستدامة تمنح المنشآت قدرة أكبر على مواجهة الأزمات، وتقلل من تكاليف التشغيل على المدى الطويل، وتساعد على التوسع في التقنيات النظيفة والصناعة منخفضة الانبعاثات.
وتابع: «يمثل البحث والتطوير محرك الابتكار الذي يمنع التقادم التكنولوجي. والدول التي تخصص موارد نوعية لدعم البحث والتطوير لا تكتفي بمواكبة التغيرات، بل تصنعها؛ فهي تبتكر حلولًا أسرع وأكثر كفاءة وأقل تكلفة، مما يعزز سيادتها الاقتصادية ويجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات النوعية والعقول المبدعة».
ويرى المرشدي أن التحدي لا يقتصر على تمويل الأبحاث، بل يشمل بناء علاقة مباشرة بين الجامعات والمراكز البحثية والقطاع الصناعي، بحيث تنطلق المشروعات البحثية من تحديات حقيقية، وتتحول نتائجها إلى حلول قابلة للتطبيق والتوسع.
كيف يمكن ربط الجامعات والبحث العلمي بالقطاع الصناعي؟
يؤكد المرشدي أن إحدى الفجوات التي ينبغي معالجتها لتحقيق الهدف التاسع تتمثل في ضعف انتقال المعرفة من المختبرات والجامعات إلى الأسواق والمصانع.
ويرى أن معالجة هذه الفجوة تتطلب بناء مسارات مشتركة بين الجامعات والقطاع الصناعي، تشمل تطوير مشروعات بحثية تطبيقية، وإنشاء مختبرات مشتركة، وربط رسائل الدراسات العليا بالتحديات التشغيلية، وإتاحة البيانات الصناعية للباحثين ضمن أطر حوكمة وأمن واضحة.
كما يشير إلى أن تدريب الباحثين والطلاب على النماذج الهندسية الحاسوبية والشبكات العميقة وتحليل البيانات المعقدة يمكن أن يرفع قدرة المؤسسات الوطنية على ابتكار حلول محلية بدل الاعتماد الكامل على الأنظمة المستوردة.
ويخلص إلى أن البحث العلمي يصبح أكثر قيمة عندما يتحول إلى منتج أو خدمة أو خوارزمية ترفع كفاءة الصناعة، وتدعم تنافسية الاقتصاد، وتوفر حلولًا قابلة للتوسع.
كيف يمكن تقليص فجوة التمويل ونقل التكنولوجيا حتى عام 2030؟
قال المرشدي إن المنتدى وضع التمويل ونشر التكنولوجيا ضمن أبرز التحديات التي تعيق تسريع التقدم في الهدف التاسع، خصوصًا في الدول النامية والاقتصادات الصاعدة.
وأضاف: «بينما نتسابق مع الزمن نحو أهداف 2030، يبرز سد فجوة التمويل ونقل التكنولوجيا بوصفه أحد أكبر التحديات التي تتطلب مقاربة تشاركية تتجاوز الحدود الوطنية».
ويرى أن تقليص فجوة التمويل يحتاج إلى توسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتصميم أدوات تمويل تتناسب مع طبيعة المشروعات الصناعية والتقنية التي تحتاج إلى وقت أطول قبل تحقيق العوائد.
وقال: «يجب تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لابتكار آليات تمويل جديدة، مثل الصكوك الخضراء وصناديق الاستثمار في التكنولوجيا المستدامة».
أما في جانب نقل التكنولوجيا، فيؤكد المرشدي أن شراء الحلول الجاهزة لا يكفي لبناء قدرة صناعية مستدامة.
وأضاف: «نحن بحاجة إلى الانتقال من نموذج استيراد الحلول إلى توطين المعرفة. ويتطلب ذلك بناء منظومات تعاونية تشجع على نقل المهارات، وتدعم مراكز الابتكار الإقليمية، وتسهل الوصول إلى المعرفة التقنية، بما يضمن تمكين الدول النامية والاقتصادات الصاعدة من تجاوز العقبات التقليدية والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد الرقمي العالمي».
ويشير إلى أن نقل التكنولوجيا الحقيقي يتحقق عندما تنتقل مع التقنية القدرة على تطويرها وصيانتها وتحسينها، وعندما تستطيع الكفاءات المحلية إنتاج الجيل التالي منها، لا الاكتفاء باستخدامها.
المعرض السعودي من زاوية قراءة المرشدي
تتوافق قراءة الدكتور متعب المرشدي مع الرسالة التي يقدمها معرض «تعزيز الاستدامة في المملكة العربية السعودية» المصاحب للمنتدى؛ إذ لا تُقرأ المبادرات السعودية المعروضة باعتبارها مشروعات منفصلة، بل ضمن منظومة تجمع بين البنية التحتية المستدامة، والتحول الرقمي، والبحث والتطوير، وتوطين المعرفة، والشراكات بين القطاعات.
ومن خلال هذه الزاوية، يظهر المعرض بوصفه مساحة تعرض كيف تتحول الأولويات العالمية للهدف التاسع إلى برامج ومشروعات وطنية، وكيف يمكن للتقنيات المتقدمة أن تدعم الصناعة والاستدامة في آن واحد.
كما تتقاطع قراءة المرشدي مع الفعالية السعودية المصاحبة حول إعادة التفكير في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال منهجيات تحديد الأولويات والتنفيذ؛ لأن جوهر طرحه يقوم على الانتقال من الحديث العام عن التقنية والابتكار إلى بناء آليات عملية تشمل التمويل، والبحث التطبيقي، ونقل المعرفة، وربط الجامعات بالصناعة.
الخلاصة التحليلية
تقود قراءة المرشدي إلى أن مستقبل الهدف التاسع لن تحدده قدرة الدول على شراء التقنيات فقط، بل قدرتها على بناء منظومات متكاملة تنتج المعرفة، وتمول الابتكار، وتربط البحث بالصناعة، وتحول البيانات إلى قرارات.
وفي هذا السياق، تصبح التجربة السعودية جزءًا من النقاش الدولي حول كيفية الانتقال من تبني التقنية إلى توطينها وتطويرها، ومن عرض المبادرات إلى بناء منظومة تنفيذ قادرة على تحقيق أثر اقتصادي وصناعي مستدام حتى عام 2030 وما بعده.






