
بالتزامن مع اليوم العالمي لمهارات الشباب، الذي يوافق 15 يوليو، واليوم الختامي لأعمال المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة 2026، يتجدد النقاش حول قدرة منظومات التعليم والتدريب على إعداد الشباب لعالم عمل سريع التحول، لم تعد فيه الشهادات وحدها كافية لإثبات الجاهزية المهنية.
ويأتي اليوم العالمي هذا العام تحت شعار «مهارات من أجل مستقبل مشترك»، مركزًا على بناء مزيج متوازن من المهارات التقنية والرقمية والمرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاستدامة، إلى جانب المهارات الاجتماعية والعاطفية والمدنية التي يصعب على التقنية أن تحل محلها.
سوق العمل يبحث عن أثر يمكن التحقق منه
مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي وتسارع التحول الرقمي وتغير نماذج الوظائف، تتراجع قدرة السيرة الذاتية التقليدية على تقديم صورة متكاملة عن كفاءة المتقدم للعمل. فذكر المهارات داخل السيرة لا يعني بالضرورة امتلاكها أو القدرة على توظيفها في مواقف مهنية حقيقية.
ويرى مستشار التدريب والتطوير حسن أحمد الزهراني أن جهة العمل لم تعد تبحث عن قائمة طويلة من الدورات، بقدر بحثها عن نتائج عملية يمكن التحقق منها وقياسها.
وقال الزهراني:
«لم تعد السيرة الذاتية أو الشهادة وحدهما دليلًا كافيًا على الجاهزية المهنية؛ فجهة العمل تبحث عن أثر يمكن التحقق منه».
وأوضح أن الشاب يستطيع تقديم هذا الدليل من خلال إنشاء ملف إنجاز رقمي يضم مشروعات حقيقية، ونماذج أعمال، ودراسات حالة تشرح المشكلة التي واجهها، والدور الذي قام به، والحل الذي اقترحه، والنتيجة التي تحققت.
ولا تقتصر أهمية ملف الإنجاز على التخصصات التقنية أو الإبداعية، بل يمكن تطبيقه في الإدارة والخدمة الاجتماعية والإعلام والتسويق والموارد البشرية وغيرها، عبر توثيق المبادرات والتقارير والحملات وخطط العمل والمشروعات المجتمعية.
الأرقام أكثر إقناعًا من العبارات العامة
يشير الزهراني إلى أن مصداقية الشاب ترتفع عندما يدعم أعماله بمؤشرات قابلة للقياس، مثل نسبة زيادة المبيعات، أو مقدار تقليل زمن تنفيذ إحدى المهام، أو عدد المستفيدين من مبادرة، أو مستوى تحسين تجربة العملاء والمستخدمين.
كما تمثل الاختبارات العملية القصيرة، والتوصيات المهنية الموثوقة، والتدريب التعاوني، والعمل التطوعي المرتبط بالتخصص، وسائل مهمة لإثبات القدرة على ممارسة المهارة، بدلًا من الاكتفاء بالقول إن المتقدم يمتلكها.
وتؤكد منظمة العمل الدولية أن التركيز الضيق على المهارات التقنية وحدها لم يعد كافيًا؛ إذ تبحث جهات العمل عن ملفات مهارية متكاملة تجمع بين القدرات الرقمية والعمل الجماعي والتفكير والتحليل والمعرفة التطبيقية، مشيرة إلى أن البرامج التدريبية تحقق نتائج أفضل عندما يكون تصميمها مرتبطًا باحتياجات المستفيدين وسوق العمل. (lab.ilo.org)
كيف تثبت الجهات التدريبية ارتباط برامجها بالسوق؟
في الجانب الآخر، تتحمل الجهات التدريبية مسؤولية إثبات أن برامجها تستجيب لاحتياجات فعلية، وليست مجرد دورات عامة يعاد تقديمها بعناوين مختلفة.
ويقول الزهراني:
«لا يكفي أن تعلن الجهة التدريبية أن برامجها مطلوبة في السوق، بل ينبغي أن تثبت ذلك بالبيانات».
ويبدأ ذلك، وفق رؤيته، بإجراء تحليل دوري للوظائف والإعلانات المهنية، ورصد المهارات التي تتكرر في متطلبات التوظيف، ثم إشراك أصحاب العمل في تصميم البرامج ومراجعة محتواها، وتحويل كل برنامج إلى كفايات ومهام واضحة يمكن قياسها عمليًا.
كما يتطلب إثبات جودة البرنامج قياس ما يحدث بعد انتهائه، من خلال مؤشرات تشمل:
- قدرة المتدربين على تنفيذ مشروعات تطبيقية.
- نسبة التوظيف بعد التخرج من البرنامج.
- التحسن الوظيفي أو المهني للمتدربين.
- رضا أصحاب العمل عن مستوى الخريجين.
- نسبة المهارات المكتسبة التي استخدمها المتدرب فعليًا.
- استمرارية أثر التدريب بعد ثلاثة أو ستة أشهر.
- نشر النتائج ومقارنتها بخط أساس واضح.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ظل ما تشير إليه بيانات اليونسكو من أن واحدًا من كل خمسة أشخاص تراوح أعمارهم بين 15 و34 عامًا لا يزال خارج المسارات الرسمية لتنمية المهارات، فيما يتوقع أن تتغير طبيعة نسبة مهمة من الوظائف حتى عام 2030 نتيجة الاضطرابات التقنية.
الحضور والإكمال لا يكشفان جودة التدريب
تتمثل إحدى أبرز مشكلات القطاع التدريبي في الاعتماد على عدد المسجلين ونسب الحضور وإكمال الساعات بوصفها مؤشرات للنجاح، مع أن هذه البيانات لا تثبت أن المتدرب اكتسب المهارة أو أصبح أكثر استعدادًا للعمل.
ويحدد الزهراني أبرز التحديات في الفجوة بين لغة التعليم ولغة المهنة، وسرعة تغير المهارات الرقمية، وضعف متابعة الخريجين، والتركيز على إصدار الشهادات بدلًا من قياس أثر التعلم.
وتتطلب معالجة هذه التحديات الانتقال إلى التدريب القائم على المشروعات والمواقف المهنية، وتحديث المحتوى بصورة دورية، وإنشاء مجالس مهارات قطاعية تضم مؤسسات التدريب وجهات العمل والمتخصصين، إلى جانب ربط جزء من تقييم الجهات التدريبية وتمويلها بنتائج يمكن التحقق منها.
كما تشير منظمة العمل الدولية إلى أن جانبًا كبيرًا من التعلم يحدث بصورة غير رسمية داخل بيئات العمل، ومن خلال الممارسة اليومية والتعاون مع الزملاء، إلا أن هذا التعلم يظل غير ظاهر في كثير من أنظمة القياس التقليدية، ما يستدعي تطوير آليات للاعتراف بالخبرات والمهارات المكتسبة عمليًا.
مهارات الشباب مسؤولية مشتركة
يتقاطع هذا التوجه مع شعار اليوم العالمي لمهارات الشباب لعام 2026، الذي ينظر إلى تطوير المهارات باعتباره مسؤولية جماعية وأساسًا لتحقيق الازدهار المشترك والتماسك الاجتماعي والتنمية المستدامة.
كما يأتي في اليوم الختامي للمنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة، المنعقد في نيويورك خلال الفترة من 7 إلى 15 يوليو 2026، تحت شعار يدعو إلى إجراءات تحولية وعادلة ومبتكرة ومنسقة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ويختتم الزهراني رؤيته بالتأكيد على أن معيار النجاح يجب أن ينتقل من عدد الدورات إلى نتائجها، قائلًا:
«القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد الدورات، بل بقدرة الشاب على تقديم دليل عملي على الكفاءة، وقدرة الجهة التدريبية على إثبات أن خريجيها أصبحوا أكثر قابلية للتوظيف والإنتاج
«جهة العمل تبحث عن أثر يمكن التحقق منه، لا عن قائمة طويلة من الشهادات».
«لا يكفي أن تعلن الجهة التدريبية أن برامجها مطلوبة في السوق، بل ينبغي أن تثبت ذلك بالبيانات».
«القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد الدورات، بل بقدرة الشاب على تقديم دليل عملي على الكفاءة».






