
قدّرت ورقة عمل حديثة منشورة عن صندوق النقد الدولي القيمة السنوية للوقت الذي توفره تطبيقات الذكاء الاصطناعي بنحو 2.7 تريليون دولار، بما يعادل 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي المجمع للدول الـ86 المشمولة في العينة الأساسية.
لكن الرقم الكبير لا يكشف القصة كاملة؛ فالمكاسب لا تتوزع بالتساوي بين الدول أو المهن، بل تتركز بدرجة واضحة في الاقتصادات مرتفعة الدخل والوظائف الأعلى أجرًا. وتضع الورقة اللغة ضمن العوامل التي قد تحدد قدرة الدول على توسيع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، ما يحول تطوير البيانات والنماذج العربية من قضية تقنية إلى مسألة إنتاجية واقتصادية.
رقم ضخم.. لكنه لا يعني زيادة مباشرة في الناتج
اعتمدت الورقة، التي حملت عنوان «المكاسب الإجمالية من الذكاء الاصطناعي وتوزيعها: أدلة عالمية من بيانات الاستخدام»، على خمس موجات من مؤشر «أنثروبيك الاقتصادي»، غطت الفترة من يناير 2025 إلى فبراير 2026.
وحللت الدراسة أنماط استخدام نموذج «Claude» في أكثر من 100 دولة، وربطت المحادثات بالمهام المهنية والأجور وعدد العاملين في كل مجموعة وظيفية، قبل تقدير عدد الساعات التي اختصرها الذكاء الاصطناعي وتحويلها إلى قيمة مالية وفق مستويات الأجور المحلية.
ويسمي الباحثان هذه القيمة «المعادل النقدي لتكلفة العمل»، وهو مقياس يقدّر تكلفة الساعات التي تم توفيرها، وليس الأموال التي أضيفت فعليًا إلى الاقتصاد.
وبذلك، فإن رقم 2.7 تريليون دولار لا يعني أن الناتج العالمي ارتفع تلقائيًا بالقيمة نفسها، وإنما يعكس القيمة النظرية للوقت المحرر من بعض المهام. فتحويل الوقت الموفر إلى إنتاج حقيقي يتوقف على كيفية إعادة استخدامه: هل يوجَّه إلى خدمة عدد أكبر من المستفيدين؟ أم تحسين القرارات؟ أم تطوير منتجات جديدة؟ أم يتحول ببساطة إلى وقت غير مستثمر داخل المؤسسة؟
96% من القيمة تذهب إلى الدول مرتفعة الدخل
تكشف نتائج الدراسة فجوة واسعة في توزيع المكاسب. فقد بلغت القيمة المقدرة للوقت الموفر في الدول مرتفعة الدخل نحو 4.2% من ناتجها المحلي الإجمالي، مقابل قرابة 0.6% في الاقتصادات متوسطة الدخل، ونحو 0.1% فقط في الدول منخفضة الدخل.
واستحوذت الاقتصادات مرتفعة الدخل على نحو 96% من إجمالي القيمة المقدرة، رغم أنها لا تمثل النسبة الكبرى من القوى العاملة العالمية. وهذا يعني أن انتشار الأدوات وحده لا يكفي؛ فالعائد يرتبط أيضًا بمستويات الأجور، واتساع استخدام التقنية بين المهن، والاستعداد المؤسسي والتنظيمي.
كما وجدت الورقة أن مكاسب الذكاء الاصطناعي تظل، في معظم الدول، مائلة نحو المهن الأعلى دخلًا. ففي عدد من الاقتصادات النامية يتركز الاستخدام داخل دائرة مهنية صغيرة، مثل البرمجة والتقنية والاستشارات، بينما لا يصل بالقدر نفسه إلى التعليم والإدارة والخدمات والمهن التي توظف شرائح أوسع من السكان.
وفي المقابل، أخذ الاستخدام يتوسع تدريجيًا من تطوير البرمجيات إلى التعليم والمبيعات والأعمال المكتبية. وبين أغسطس ونوفمبر 2025 ارتفع عدد الدول التي شهدت انخفاضًا في تركّز المكاسب من 32 إلى 53 دولة، أي من 30% إلى 48% من الدول المرصودة.
اللغة تتحول إلى بنية تحتية اقتصادية
النتيجة الأكثر ارتباطًا بالمنطقة العربية لا تتعلق بسرعة النماذج أو قدرتها الحسابية، بل باللغة التي تتعلم منها.
وجد الباحثان ارتباطًا بين اعتماد الإنجليزية لغة رسمية وبين توسع مكاسب الذكاء الاصطناعي عبر عدد أكبر من المهن، حتى بعد أخذ مستوى دخل الدولة في الاعتبار. وفسرا ذلك بأن القوانين والمناهج واللوائح ووثائق الأعمال المكتوبة بالإنجليزية ممثلة بدرجة أكبر في بيانات تدريب النماذج اللغوية المهيمنة عالميًا.
وفي المقابل، أشارت الورقة إلى نقص تمثيل الوثائق المؤسسية المحلية في مناطق من بينها الشرق الأوسط الناطق بالعربية، معتبرة أن توسيع حجم البيانات غير الإنجليزية ورفع جودتها قد يحقق عوائد توزيعية مرتفعة، ويساعد على نقل الفوائد من النخب التقنية إلى قطاعات مهنية أوسع.
ولا تعني النتيجة أن الإنجليزية وحدها تسبب ارتفاع الإنتاجية، بل تكشف ارتباطًا إحصائيًا يحتاج إلى قراءة أوسع. فالدولة التي لا يجد موظفوها نماذج تفهم لغتهم ومصطلحاتهم القانونية والإدارية والسياق المحلي ستحتاج إلى وقت إضافي للتحقق والتعديل وإعادة الصياغة، ما يقلل جزءًا من الوقت الذي يفترض أن توفره التقنية.
ومن هنا تصبح العربية أصلًا اقتصاديًا: كلما تحسنت قدرة النماذج على فهم العقود والأنظمة والمصطلحات الصحية والتعليمية واللهجات المحلية، اتسعت دائرة الوظائف القادرة على الاستفادة منها.
أين تقف المملكة؟
تمتلك المملكة عددًا من المقومات التي يمكن أن تساعدها على تحويل الذكاء الاصطناعي من استخدام فردي إلى إنتاجية مؤسسية، في مقدمتها وجود أطر وطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وأدوات لقياس جاهزية الجهات الحكومية، ومبادئ للحوكمة والأخلاقيات.
واعتمد مؤشر جاهزية تبني التقنيات الناشئة في الجهات الحكومية لعام 2025 على أربع قدرات رئيسة هي: البحث، والتواصل، والإثبات، والتكامل، موزعة على 12 عنصرًا و26 معيارًا، مع تخصيص الذكاء الاصطناعي بوصفه التقنية المحورية لذلك العام. كما أعلنت هيئة الحكومة الرقمية في أبريل 2026 أن مستوى تبني التقنيات الناشئة لدى الجهات الحكومية تجاوز 76%.
وعلى مستوى اللغة، تشير البيانات الرسمية إلى استخدام أكثر من 500 مليار رمز لغوي عربي في تطوير نموذج «علّام 34B»، فيما تعمل شركة «هيوماين» على تطوير نماذج لغوية عربية تستهدف إثراء المحتوى الرقمي العربي وتوسيع التطبيقات المحلية للذكاء الاصطناعي.
وتدعم هذه البنية أدوات تنظيمية، من بينها التقييم الذاتي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، الذي يمكّن الجهات من مقارنة ممارساتها بمعايير محددة وقياس مستوى الالتزام الأخلاقي للنماذج المستخدمة.
لكن وجود الاستراتيجية والنموذج اللغوي لا يعني تلقائيًا تحقق المكاسب. الاختبار الحقيقي يبدأ داخل الجهات: هل أُعيد تصميم إجراءات العمل بعد إدخال الذكاء الاصطناعي؟ وهل تقيس المؤسسة ساعات الإنجاز قبل الاستخدام وبعده؟ وهل تتحول الساعات المحررة إلى مخرجات إضافية قابلة للقياس؟
من «توفير الوقت» إلى «إنتاجية فعلية»
لكي تحصل المؤسسات السعودية على حصة أكبر من اقتصاد الوقت الذي ترصده الدراسة، تحتاج إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مشروع تحول تشغيلي، لا مجرد اشتراك في أداة.
ويبدأ ذلك بحصر المهام التي تستنزف ساعات الموظفين، مثل إعداد المسودات، وتلخيص الوثائق، وفرز الطلبات، والبحث في اللوائح، وإعداد التقارير الأولية. ثم قياس الزمن والتكلفة ومعدل الأخطاء قبل تطبيق الذكاء الاصطناعي وبعده.
بعد ذلك، يجب تحديد وجهة الوقت الموفر. ففي القطاع الحكومي قد يتحول إلى تقليص مدة تقديم الخدمة أو زيادة عدد المستفيدين. وفي الشركات يمكن أن يوجَّه إلى المبيعات وتطوير المنتجات وخدمة العملاء. وفي المؤسسات الإعلامية قد يستخدم لتعزيز التحقق والتحليل وإنتاج صيغ متعددة للمحتوى بدل الاكتفاء بتسريع الكتابة.
كما يتطلب تحقيق العائد بناء مستودعات بيانات عربية موثوقة ومنظمة، وربط النماذج بالمصادر الداخلية للجهة، وتدريب الموظفين على المراجعة والتحقق، لا على كتابة الأوامر فقط.
الدراسة لا تقدم رقمًا سعوديًا مستقلًا
رغم أهمية نتائج الورقة، لا يمكن استخدامها لتحديد قيمة الوقت الذي يوفره الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصاد السعودي بصورة مباشرة.
فالمملكة لم تكن ضمن العينة الأساسية المكونة من 86 دولة ذات بيانات الأجور والتوظيف المكتملة، وإنما أُدرجت في العينة الموسعة مع استخدام بيانات التوظيف الإماراتية بوصفها بيانات بديلة، بينما استخدمت الإمارات بيانات الأجور السعودية. ولذلك لا توفر الدراسة تقديرًا سعوديًا مستقلًا يمكن اعتماده بوصفه رقمًا وطنيًا.
وتفتح هذه الفجوة مجالًا لإعداد دراسة محلية تعتمد على بيانات سوق العمل السعودي، وتقيس الاستخدام الفعلي للذكاء الاصطناعي داخل القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، ثم تحدد الساعات المحررة والقيمة التي تحولت منها إلى إنتاج أو خدمة أو خفض في التكلفة.
رقم تقديري تحيط به حدود منهجية
أوضح الباحثان أن تقدير 2.7 تريليون دولار حساس للافتراضات المتعلقة بعدد محادثات الذكاء الاصطناعي وحصة «Claude» من السوق. وتراوحت النتائج في اختبارات الحساسية بين 1.6 تريليون دولار وفق السيناريو المتحفظ، و6.1 تريليون دولار في السيناريو الأعلى.
كما اقتصرت البيانات الأساسية على محادثات «Claude» عبر الويب، ولم تشمل بصورة كاملة استخدام واجهات البرمجة داخل الشركات أو منصات مثل ChatGPT وGemini وCopilot. واعتمد تقدير الزمن الموفر على تقديرات النموذج نفسه، لا على تجارب ميدانية تغطي جميع المهن.
ولا تخصم الدراسة تكلفة البنية التحتية والطاقة والاشتراكات، ولا تحسب أثر إحلال الوظائف أو إعادة توزيع المهام وضغوط الأجور. ولذلك يجب قراءة الرقم بوصفه مؤشرًا على حجم الفرصة، لا قيمة نهائية صافية للمكاسب الاقتصادية.
الخلاصة
تكشف ورقة صندوق النقد أن المعركة الاقتصادية المقبلة لن تكون فقط حول امتلاك أقوى النماذج، بل حول قدرة الدول والمؤسسات على إدخال الذكاء الاصطناعي في أكبر عدد ممكن من الوظائف، وتحويل الوقت الذي يوفره إلى خدمة وإنتاج وابتكار.
وبالنسبة إلى المملكة والمنطقة العربية، لا تمثل اللغة العربية تفصيلًا في واجهة الاستخدام، وإنما البنية التي تحمل الأنظمة والمعرفة والخدمات والتعليم والثقافة المؤسسية. وكلما أصبحت هذه المعرفة ممثلة بصورة أوسع وأدق في البيانات والنماذج، زادت احتمالات وصول مكاسب الذكاء الاصطناعي إلى الموظف والمعلم والطبيب والإداري ورائد الأعمال، بدل بقائها محصورة في دائرة تقنية محدودة.
أبرز الأرقام
- 2.7 تريليون دولار: القيمة السنوية التقديرية للوقت الذي توفره تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
- 3.4%: من الناتج المجمع للدول الـ86 في العينة الأساسية.
- 96%: حصة الدول مرتفعة الدخل من إجمالي القيمة المقدرة.
- 4.2%: قيمة الوقت الموفر مقارنة بناتج الدول مرتفعة الدخل.
- 0.6%: النسبة التقريبية في الاقتصادات متوسطة الدخل.
- 0.1%: النسبة في الاقتصادات منخفضة الدخل.
- 1.6–6.1 تريليون دولار: نطاق النتائج وفق اختلاف افتراضات القياس.
- 500+ مليار رمز عربي: مستخدمة في تطوير نموذج «علّام 34B».
- 76%+: مستوى تبني التقنيات الناشئة لدى الجهات الحكومية السعودية في قياس 2026.






