المقالات

ليس كل ميلادٍ يبدأ بصرخة… أحيانًا يبدأ برسالة

«رحى لطيفة»

اليوم ليس مجرد تاريخٍ في التقويم.

إنه محطةٌ أقف عندها قليلًا، لا لأعدَّ ما مضى من الأعوام، بل لأتأمل ما بقي في القلب من يقين، وما تركته الأيام من أثر، وما زرعته الروح في طرقات الحياة، وإن لم تره العيون بعد.

فليس العمر عددًا يُكتب، وإنما معنى يُعاش.

ولعل أجمل ما في الميلاد أنه لا يسأل الإنسان: كم كبرت؟

فأنا لا أولد مرةً واحدة، بل كل يومٍ أصحو فيه، وأتنفس، أشعر أنني أولد من جديد.

بل يسأله: ماذا أبقيت حيًّا في داخلك رغم كل ما مر بك؟

***

منذ طفولتي، ومنذ السابعة من عمري، لم تكن الرياح تمر بي مرورًا عابرًا.

عرفتُ مبكرًا أن بعض الأرواح تُولد وفي يدها سيف، لا لتقاتل الناس، بل لتقاتل اليأس، والخوف، والانكسار، وكل ما يحاول أن يطفئ نور الله في القلب.

قاتلتُ رياحًا عاتية، لا تُرى بالعين، لكنها كانت تهب من كل اتجاه.

وكان يمكن لها أن تقتلعني، لولا أن الله علّمني منذ البدايات أن الجذور التي تُغرس في اليقين، لا تقتلعها العواصف.

ولم تكن معاركي يومًا من أجل أن أنتصر على أحد، بل من أجل ألا أخسر نفسي.

***

تعلمت أن الحياة لا تمنح الطريق ممهدًا لأحد.

وأن بعض الناس يزرعون الورد حيث يمرون، بينما يزرع آخرون الأشواك.

لكنني آمنت دائمًا أن الإنسان لا يُسأل يومًا عمّا زرعه غيره، وإنما عمّا خرج من قلبه هو.

ولهذا سأظل أزرع الخير.

ولو جاء من يقتلع ألف زهرة… فسأزرع الألف التي بعدها.

لأن الزراعة خُلُق، أما الاقتلاع فحالة عابرة.

***

ولست أؤمن بأن كثرة المحاربين دليلٌ على خطأ الطريق.

بل كثيرًا ما يكون الطريق الصحيح هو أكثر الطرق ازدحامًا بالاختبارات.

فالشجرة المثمرة هي التي تُرمى بالحجارة.

والقمم لا تعانقها الرياح اللينة.

والنور لا يعرف قيمته إلا من سار طويلًا في العتمة.

ولهذا، كلما اشتدت الرياح، ازددت يقينًا أن السماء ما زالت فوقي، وأن رب السماء لم يتركني يومًا.

***

وفي كل عام، أكتشف أن القوة ليست في ألا أتعب، بل في أن أنهض كلما تعبت، وليست في ألا أبكي، بل في ألا أجعل الدموع توقف المسير، وليست في أن أربح كل المعارك، بل في أن أحافظ على قلبي أبيض، مهما اسودّت بعض الوجوه حولي.

***

اليوم لا أحتفل لأن عامًا مضى، بل أحمد الله لأنه منحني فرصةً أخرى لأكون أثرًا أجمل، وفرصةً أخرى لأعتذر إن قصّرت، وأغفر إن أُسيء إليّ، وأتعلم أكثر، وأحب أكثر، وأحسن أكثر.

فكل يومٍ يشرق علينا هو ميلاد جديد لمن أراد أن يبدأ.

***

وإلى كل من يوافق ميلاده ميلادي… كل عام وأنتم أقرب إلى الله من الأمس، وألين قلبًا، وأوسع حلمًا، وأصدق كلمة، وأكثر رحمة.

لا تجعلوا أعماركم سباقًا مع الزمن، بل سباقًا مع الخير.

اتركوا في كل قلبٍ مررتم به طمأنينة، وفي كل مكانٍ أثرًا حسنًا، وفي كل موقفٍ خلقًا كريمًا.

فالسنوات ترحل… أما الأثر الجميل، فيبقى يسير على الأرض بعد صاحبه.

أما أنا… فسأبقى كما بدأت.

أحمل قلمي كما يحمل المزارع بذوره. لا يضمن أين ستمطر السماء، لكنه يوقن أن الله لا يضيع زرع من أحسن الغرس.

وسأظل أؤمن أن الخير لا يخسر، وإن تأخر حصاده، وأن الصادق قد يتعب، لكنه لا يندم، وأن القلب إذا بقي موصولًا بخالقه، فلن تضله الرياح، مهما تناوحت عليه من كل اتجاه.

هذا وعدٌ أجدده مع نفسي في يوم ميلادي: أن أبقى إنسانةً قبل أن أكون كاتبة، وأن يبقى قلمي بابًا للأمل، لا شاهدًا على اليأس، وأن أترك إذا رحلت يومًا، ما يدل عليّ من دعوة صادقة، أو فكرة نافعة، أو كلمةٍ أعادت إلى قلبٍ ما إيمانه بالحياة.

فذلك… هو الميلاد الذي يستحق أن يُحتفل به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى