
الاقتصاد الدولي في 2035 لن يشبه ما نعرفه اليوم. فبعد عقود طويلة قامت على مبدأ انسياب السلع ورؤوس الأموال عبر الحدود بيسر، دخل العالم منعطفاً حاداً أعادت فيه قوى كبرى رسم أولوياتها. يقف وراء هذا التحول ثلاثة محركات متداخلة، وهي تسارع الذكاء الاصطناعي حيث أصبح يمسّ جوهر الإنتاج لا مجرد الأدوات، وتصاعد أزمة المناخ حيث باتت تفرض تكاليف مباشرة على النمو والتجارة، وتفتت سلاسل الإمداد حيث أعادت الجغرافيا السياسية تشكيل خريطة التصنيع. في هذا المشهد الجديد لا نتحدث عن دورة نمو عادية، حيث المسألة تتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف من يملك القدرة على المنافسة ومن يبقى على الهامش.
بدأت ملامح التفتت تظهر بوضوح في السنوات الأخيرة، حيث تراجعت فكرة “مصنع واحد للعالم” لصالح تكتلات إقليمية تسعى لتأمين احتياجاتها بنفسها. وبحسب تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي فإن الانقسام الكامل بين الشرق والغرب قد يكلف الاقتصاد العالمي خسائر تصل إلى 6.9 تريليون دولار من الناتج المحلي، حيث أدت السياسات الحمائية بالفعل إلى خفض النمو العالمي بمئات المليارات ورفع معدلات التضخم. هذا الواقع الجديد يدفع الدول الكبرى إلى بناء دوائر تجارية مغلقة نسبياً، وحينها سيجد عدد كبير من الاقتصادات الناشئة نفسها أمام خيار صعب يتمثل في تحديد موقعها ضمن هذه الخريطة الجديدة وشروط انخراطها فيها.
وفي قلب هذا التحول يقف الذكاء الاصطناعي كقوة مزدوجة. فمن جهة يرى صندوق النقد الدولي أن هذه التقنية قادرة على رفع معدل النمو العالمي بحوالي نصف نقطة مئوية سنوياً حتى نهاية العقد، وحيث يمكن أن يصل أثرها الإيجابي إلى 4% من الناتج العالمي خلال عشر سنوات في السيناريو المتفائل. ومن جهة أخرى فإن التأثير على سوق العمل عميق ومباشر، حيث يشير الصندوق نفسه إلى أن 60% من وظائف الاقتصادات المتقدمة ستتأثر بالذكاء الاصطناعي، وأن النسبة تنخفض إلى 40% في الأسواق الناشئة وإلى 26% في الدول منخفضة الدخل. ويضيف التقرير أن نصف الوظائف المتأثرة معرض للتراجع حيث يمكن للتقنية أن تستبدلها، وحيث النصف الآخر قد يشهد تحسناً في الإنتاجية وارتفاعاً في الدخل. هذه المفارقة تخلق سباقاً محموماً، حيث الدول التي تمتلك بنية رقمية وتعليماً متقدماً ستستفيد، وحيث الدول التي تفتقر إلى ذلك قد تجد الفجوة تتسع أمامها.
ولا يقل ملف المناخ أهمية، حيث تحول من قضية بيئية إلى متغير اقتصادي حاسم. فقد تضاعف تمويل البنوك الإنمائية لمشاريع المناخ في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل خلال خمس سنوات ليبلغ 103 مليارات دولار في عام 2025. ويرى صندوق النقد أن السياسات المناخية الفعالة قادرة على إضافة 0.7% للناتج العالمي وخلق 12 مليون وظيفة خلال السنوات الخمس عشرة الأولى، وحيث في المقابل قد تتراجع مستويات الناتج بنسبة قريبة في المرحلة اللاحقة نتيجة تكاليف التخفيف. ويزداد المشهد تعقيداً لأن أدوات المواجهة نفسها تستهلك موارد ضخمة، حيث من المتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي على الكهرباء لتشغيل الذكاء الاصطناعي ثلاث مرات ليصل إلى 1500 تيراواط ساعة بحلول 2030، وهو رقم يوازي استهلاك دولة بحجم الهند اليوم. في المقابل تظهر فرص واعدة، حيث تشير تقديرات إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات الزراعة والطاقة والنقل والمياه يمكن أن يضيف 5.2 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول 2030 وأن يخفض الانبعاثات ويخلق عشرات الملايين من فرص العمل الجديدة.
إن مسار 2035 لن تحدده التكنولوجيا وحدها، وحيث سيحدده مدى قدرة الدول على بناء سياسات مرنة واستثمارات ذكية في الإنسان وفي المعرفة. فالعالم القادم سيكون أكثر ترابطاً لأن الصدمات لم تعد محلية، وسيكون أكثر تركيزاً على الاستدامة لأن المناخ يفرض شروطه، وسيكون أكثر اعتماداً على الابتكار لأن النمو التقليدي لم يعد كافياً. الدول التي تبادر اليوم بالتعليم وإعادة المهارات والاندماج في سلاسل القيمة الجديدة هي التي ستصوغ القواعد، وحيث الدول التي تؤجل المواجهة ستدفع لاحقاً ثمناً أعلى. كما قال صندوق النقد في رسالته الأخيرة: “احتضنوه، إنه قادم”. والتاريخ لا يمنح فرصة ثانية للمتأخرين.





