كتاب الرأي

رفيقُ العمر

هناك من يشاركك الاسم، وهناك من يشاركك الدم، وهناك من يشاركك العمر كله.
ذلك الأخ الذي جاء إلى الدنيا بعدك بقليل، حتى بدت السنوات بينكما كأنها لا تُرى، فكبرتما معًا، وتقاسمتما البيت الأول، وأصوات الطفولة، وأحلام الشباب، ومسؤوليات الرجولة، ثم وصلتُما معًا إلى عتبة الشيخوخة، حتى خُيّل إليكما أن الطريق الذي بدأ معًا سيمتد معًا إلى نهايته.

لكن للأقدار حكمةً تمضي، ولله في خلقه سنن لا يملك المؤمن أمامها إلا الرضا والتسليم.
ولعل من أثقل ما يمر بالإنسان أن يقف يودع أخًا لم يكن مجرد أخ، بل رفيق رحلة امتدت أكثر من تسعين عامًا. فالفقد في هذه المرحلة لا يكون فقد إنسانٍ فحسب، بل فقد زمنٍ كامل، وذاكرةٍ كاملة، ووجهٍ ظل حاضرًا في تفاصيل الحياة حتى أصبح جزءًا منها.

كان الناس يرونهما شيخين وقورين، لكنهما في أعماقهما لم يتوقفا يومًا عن كونهما ذلك الأخوين اللذين ركضا في ساحات الطفولة، وتقاسما لقمة الخبز، وتعلما أول الدروس، وشهدا أفراح الأسرة وأحزانها، حتى غدت ذكرياتهما المشتركة أطول من أعمار أجيالٍ كاملة.

وحين تمتد يد الأخ الأكبر إلى نعش أخيه، لا يشعر أنه يحمل جسدًا فقط، بل يحمل عمرًا بأكمله. وكأن الأكتاف التي طالما اطمأنت إلى حضوره، أصبحت اليوم تودعه. تمر أمامه وجوه الراحلين من أهله، وبيوت الأمس، وأصوات الوالدين، وأحاديث المجالس القديمة، وكل أولئك الذين كانوا يملؤون الحياة دفئًا ثم مضوا واحدًا بعد آخر، حتى جاء يوم رحل فيه رفيق العمر أيضًا.

ثم يصل إلى تلك اللحظة التي يُوارى فيها الجسد الثرى، فيدرك الإنسان أن بعض الفصول إذا أُغلقت، فإنها لا تُفتح مرة أخرى في الدنيا و يعجز اللسان عن التعبير، وتصبح الدموع أبلغ من البيان، ويغدو الصمت مرثيةً لا يستطيع شاعر أن يكتب مثلها.

ولعل أقسى ما في الفقد أن الحياة لا تتوقف احترامًا لأحزاننا. تشرق الشمس في موعدها، وتمتلئ الطرق بالمارة، وتستمر الأيام كما كانت، بينما يقف قلب المفجوع عند لحظة واحدة لا يغادرها. يبقى الاسم في الهاتف، ويبقى المقعد الذي كان يجلس عليه، وتلتفت العين إليه كلما اجتمع الأهل، ثم تتذكر أن الغياب هذه المرة ليس سفرًا، وإنما موعد لن يعود منه صاحبه إلا يوم يبعث الله الخلائق.

وحين يبلغ الإنسان هذا العمر المديد، لا يعود الأخ مجرد قريبٍ يجمعه به النسب، بل يصبح مستودعًا لذاكرة لا يملكها أحد غيره. فهو الذي شهد البدايات، وحفظ ملامح البيت الأول، وسمع صوت الوالدين في عنفوان العمر، وتقاسم معه أفراح الأسرة وأتراحها، ورأى الوجوه التي غابت واحدًا بعد آخر.

وبرحيله، لا يفقد الإنسان أخًا فحسب، بل يفقد آخر من كان يستطيع أن يعيد إليه الصفحة الأولى من حياته. يغيب ذلك الذي إذا قال: “أتذكر؟” عاد الزمن كله في لحظة، وإذا ابتسم، أقبلت الطفولة من بعيد، وإذا تحدث عن الوالدين، شعر أن السنوات الطويلة لم تمضِ بعد.

إن كثيرًا من الناس يعرفون أسماءنا، وكثيرًا منهم يعرفون أعمالنا، لكن قليلين جدًا هم الذين يعرفون قصتنا منذ أولها. وهؤلاء إذا رحلوا، لا يأخذون معهم ذاكرتهم وحدهم، بل يحملون معهم شيئًا من ذاكرتنا نحن أيضًا. ولذلك لا يكون فقدهم فقد شخص، بل فقد زمنٍ كامل، لا يمكن أن يعود، ولا يستطيع أحد أن يرويه بالطريقة نفسها مرة أخرى.

ومع مرور الأيام يكتشف الإنسان أن النعش يُحمل دقائق، أما الغياب فيُحمل ما بقي من العمر. وأن بعض الأحزان لا تزول، وإنما يتعلم القلب كيف يعيش معها. فالفراغ الحقيقي لا يكون في المكان، بل في ذلك الموضع من الروح الذي لا يملؤه أحد، مهما تكاثرت الوجوه وتعاقبت السنين.

ومع ذلك، يبقى الإيمان هو السلوى التي لا تنضب. فالمؤمن يعلم أن الموت انتقال إلى رحمة الله، لا انقطاع عن رحمته، وأن الأحبة وإن غابوا عن الأبصار، فإنهم لا يغيبون عن الدعاء، ولا عن الرجاء بلقاءٍ يجمع الله فيه المتحابين في جنات النعيم، حيث لا وداع بعده ولا فراق.

ويبقى على من بقي من الأحبة حملٌ آخر، هو أثقل من حمل النعش؛ حمل الوفاء. أن يظل الراحل حاضرًا في الدعوات، وفي الصدقات، وفي الذكر الحسن، وفي كل عملٍ صالح يُهدى إليه. فالراحلون لا ينتظرون منا كثرة البكاء، وإنما ينتظرون دعوةً صادقة، ورحمةً نسأل الله أن يغمرهم بها، ووفاءً لا تذروه الأيام.

إن الفقد يعلمنا أن الأعمار ليست بطول السنوات، وإنما بما نتركه من أثرٍ في قلوب الناس، وأن المحبة الحقيقية لا تنتهي عند حدود الحياة، بل تبقى وفاءً ودعاءً وحنينًا لا يخبو. ويذكرنا كذلك أن كل من حولنا أمانة مؤقتة، وأن أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن نحب هو أن نغمرهم بالمودة وهم بين أيدينا، قبل أن تتحول كلماتنا إلى دعوات على شواهد القبور.

ويبقى عزاؤنا أن الذكريات التي صنعتها المحبة لا يدفنها التراب، وأن الأرواح التي جمعتها المودة في الدنيا، يجمعها الله – بإذنه – في دارٍ لا يعرف أهلها فراقًا، ولا يطرق أبوابها وداع.

نسأل الله سبحانه أن يحفظ الأحياء، وأن يلبسهم لباس الصحة والعافية، وأن يربط على قلوب كل من ذاق مرارة الفقد، وأن يجعل الصبر نورًا في صدورهم، والرضا بقضائه سكينةً في نفوسهم.

اللهم اغفر لأبي حسن الشيخ راشد بن إبراهيم الحديثي، وارحمه رحمةً واسعة، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واجزه خير الجزاء على ما قدم من خير، واجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

اللهم اربط على قلب والدنا وقدوتنا فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم الحديثي، وأدم عليه نعمة الصحة والعافية، وأنزل عليه السكينة والطمأنينة، وأعنه على الصبر والاحتساب، وأحسن له العزاء، واحفظه وإخوانه وأخواته وأسرته الكريمة من كل سوء، واجعل ما أصابه رفعةً في درجاته وزيادةً في أجره.

اللهم اغفر لوالدينا، ولجميع موتى المسلمين، وارحمهم رحمةً واسعة، واجعل قبورهم روضاتٍ من رياض الجنة، واختم لنا بالحسنى، واجمعنا بمن نحب في مستقر رحمتك، غير خزايا ولا مفتونين، إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعاء.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى