المقالات

جدلية العقل ( المنتصر ) في بنية الفكر العربي !

الإنسان كائن حيّ مولع بالانتصار ! وبمراجعة سريعة لمفهوم الانتصار في الفهم والمخيال الإنساني يمكن الحديث عن ٣ مستويات أساسية:

المستوى الأول: وهو الانتصار (الكلاسيكي) بمعنى هزيمة الأخر جسديًا أو عسكريًا وفي هذا النوع من الانتصارات لايوجد أي حسابات أخرى سوى مقدار الضرر الذي يلحقه الإنسان بخصمه الإنسان . كثير من الأنظمة الشمولية والتكتلات الأيديولوجية والنزعات الإثنية والعرقية تموضعت في هذا المستوى والوسيلة المستخدمة كانت جنود وآليات حربية وخدع وتكتيكات تقتضيها طبيعة الأهداف والخطط الحربية بمساندة سياسية وإقتصادية لتحقيق هزائم موجعة للخصوم

المستوى الثاني: وهو الانتصار ( الأخلاقي ) وهو الانتصار على الذات والسعي نحو الحرية والعدل والمساواة. وبناء المعنى. هنا ينتقل مفهوم الخصم من الخارج إلى داخل الذات الإنسانية نفسها . فكثير من الأفكار الدينية دعت إلى التغلب على الشهوات والنزوات ومقتت الميل للظلم والعدوان وسلب الحقوق والمكتسبات من الآخرين. الانتصار هنا انتصار متعالي كونه يشن حرب على النفس بتعقيداتها وتشابكاتها وهو منهج لم يكن دينيًا صرف بل دعت اليه فلسفات متعددة مثل اليونانية القديمة والرواقية ومثلهما تقدم الروح والتاريخ نحو مزيد من الحرية كما وصفه هيغل أو العناية بالطبقات البروليتارية كما رآه ماركس أو حتى تجاوز الذات كما رسمه نيتشه. في هذا المستوى تتموضع الأخلاق والوازع الذاتي لتضبط هذا المستوى الراقي من الانتصار.

المستوى الثالث: هو الانتصار العلمي والمعرفي وهو الانتصار الأكثر فاعلية في زمن الانكشاف والترقي. هنا يكون الانتصار في موضع متوسط بين عدة مواقع على رأسها الأنا والآخر ويمكن في هذا المستوى الحديث عن الأخلاق والغلبة والتكامل والكونية والشمولية والتحيز والمقايضة وحسن استغلال المعرفة. العقل في هذا المستوى متقدم جدًا ، تعاوني ، موضوعي ، استثماري ، واضح الهدف والغاية ، فضولي ومتطلع فطبيعة المعرفة تقتضي هذا الكم اللامحدود من التقاطعات لتصل لمستوى آخر من النمو والتطور والريادة !

ومما يؤسف له في كثير من الأحيان أن تسجن كثير من العقول العربية إمكاناتها في مفهوم الانتصار على الآخر ! فالانتصار لدى كثير من بُنى الفكر العربي لايمكن أن يكون له مذاق مالم يكتمل بالنصف الآخر من المعادلة وهي ( الهزيمة ) للخصم ! هذه الثنائية يمكن أن تعيدنا لمستويات بدائية من الفكر كتلك التي تحدث بين المفترس والفريسة ويمكن أن تأخذنا لمستويات أقرب زمنيا قبل الحداثة لتوصف بأوصاف على شاكلة: قمع الخصم ، إقصاء المنافسين ، التابع والمتبوع ، السيد والعبد ، الغالب والمغلوب ، المتعلم والجاهل وغيرها والتي تؤكد مجتمعة أن الانتصار لايبنى ولايشيد إلا على انقاض ضحايا ومآسي لاتنتهي !

ولفحص هذه الجدلية للانتصار التي يتبرأ منها كثير من مفكري العرب فإنه لايلزم سوى العودة لاستعراض طبيعة المناورات الفكرية في الموروث الثقافي العربي: دينيًا وفلسفيًا وأدبيًا ونقديًا وتاريخيا ثم التحول بعد ذلك للاستماع أو المشاركة في الأطروحات الفكرية أو المساحات الثقافية في وسائل التواصل الاجتماعي ومدى مايشوبها من احتقان كبير وسعي حثيث للانتصار على الخصم ! هذا التشنج ينتج غالبًا من الاتصال بأيديولوجيات عمياء ومن سيكولوجيات تشعر أن الهزيمة شكل من أشكال الاستلاب تمامًا مثلما أن الانتصار هو الطريق الأوحد لفرض السلطة والهيمنة !

الفيلسوف الألماني جورج هيغل حينما تحدث عن مفهوم ( الاعتراف ) في جدليته المعروفة بجدلية السيد والعبد توصل لحقيقة مثيرة جدًا مختصرها أن السيد والعبد يتبادلان الأدوار بل إن السيد قد يحتاج للعبد أكثر من احتياج السيد له كون العبد يمتلك اتصالًا وثيقًا بإنتاجه وكدحه في الوقت الذي يفتقد فيه السيد لذلك وهو ذات المبدأ الذي جاء به كارل ماركس في اشتراكيته المعروفة!

سأخلص للقول بأن بنية العقل العربي مصابة لدى الكثير بحمى ( الانتصار) الذي حقق لها كثير من ( الهزائم ) ! ففي مفهوم الانتصار بعيون عربية ينعزل الفكر المنتصر عن المنهزم تماما بوصف المنهزم فاقدًا للأهلية المعرفية وبالمحصلة لايمكن جني أي مكاسب من التواصل معه! لكم أن تتخيلوا كم من الخسائر ستحل بنا حينما نؤمن بشيء كهذا ! وفي مفهوم الانتصار بعيون عربية فإن المنتصر الثقافي يملك قداسة تصل حد التصنيم بحيث يرى البعض إخلالًا فاضحًا بأدبيات المعرفة حينما يتم مساءلة فكر بعض الرموز عوضًا عن تخطئتها ! وفي مفهوم الانتصار العربي يبرز مفهوم ( الكم ) متفوقًا بسنين ضوئية على مفهوم ( الكيف) ! المنتصر كما يصوره مخيالنا العربي كثيرًا متمحور حول عدد الاتباع، وعدد المؤلفات ، وعدد الحضور للأماسي ، وعدد المتابعين ، وعدد الاستشهادات وكل هذا لايأبه بجودة الاتباع ولا نوع المؤلفات ولا أوعية النشر ولا طبيعة الاستشهادات وموقعها من الفكر الإنساني المعاصر!

نحن مصابون بحمى الانتصار – وما أكثر أسقامنا – ولامجال لتبدل الحال إلا بفكر جديد معاصر متفتح ومنفتح على الجميع مؤمن بأن المعرفة عالمية وأن الانتصار مستويات منها ماهو اخلاقي ومنها ماهو غير إنساني بالجملة ولنقرأ الفكر أيا كان كما يليق به ولنحترم رموزنا الذين يدعون دوما للجديد المفيد ولنتخلص من مفاهيم لم تنجح منذ قرون إلا ماكان من ثوابت ديننا الذي كان وسيظل دوما منهجًا عدلًا طيبًا مباركًا فيه . والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى