كتاب الرأي

من يحاصر اليمن؟ السعودية تمد يدها للحياة والحوثي يهددها بالحرب !

حين تهدد مليشيا الحوثي الانقلابية المملكة العربية السعودية، وتلوّح بإغلاق مضيق باب المندب، ثم تزعم أن المملكة تحاصر اليمن، فإنها لا تقدم رواية سياسية قابلة للتصديق، بل تحاول قلب الحقائق والهروب من مسؤوليتها المباشرة عن المأساة التي يعيشها الشعب اليمني.

فالدولة التي تستقبل أعداداً كبيرة من أبناء اليمن، وتتيح لهم العمل والإقامة وتحويل الأموال إلى أسرهم، لا يمكن وصفها بأنها تحاصر اليمنيين. وتحويلات المغتربين اليمنيين، ولا سيما العاملين في المملكة، تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي والدخل لملايين الأسر، وتساعدها على توفير الغذاء والدواء ومتطلبات الحياة الأساسية.

دعم اقتصادي يحمي العملة والرواتب

لم يقتصر الدعم السعودي لليمن على المساعدات الإغاثية، بل شمل دعماً مباشراً للبنك المركزي اليمني وللموازنة العامة، بهدف حماية العملة والحد من ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية وتمكين الحكومة من دفع الرواتب وتغطية النفقات التشغيلية.

وقدمت المملكة على مدى السنوات الماضية ودائع مالية ودعماً اقتصادياً كبيراً للحكومة اليمنية الشرعية، أسهم في تعزيز استقرار الاقتصاد، ودعم سعر صرف الريال اليمني، والتخفيف من معاناة المواطنين في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

هذه الأموال لم تُقدم لمصلحة حزب أو جماعة أو منطقة بعينها، وإنما لدعم مؤسسات الدولة اليمنية والمحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والمعيشي لجميع أبناء اليمن.

اليمن أكبر مستفيد من المساعدات السعودية

تكشف الوقائع أن اليمن ظل على مدى سنوات أكبر مستفيد من المساعدات السعودية، سواء الإنسانية أو التنموية أو الاقتصادية. فقد نفذ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية مئات المشاريع في مجالات الغذاء والصحة والمياه والإيواء والتعليم والحماية، واستفاد منها ملايين اليمنيين في مختلف المحافظات.

فهل يعقل أن تكون الدولة التي تمول الغذاء والدواء والمستشفيات والمياه ومشروعات التنمية، وتدعم البنك المركزي والعملة والرواتب، هي التي تحاصر الشعب اليمني؟

«مسام» ينزع ألغام الحوثي من طريق اليمنيين

ومن أبرز صور الدعم السعودي مشروع «مسام» لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام، الذي يعمل على إزالة الألغام والعبوات الناسفة التي زرعتها المليشيا في القرى والطرقات والمزارع والمدارس ومصادر المياه.

هذه الألغام لم تستهدف جبهة عسكرية فحسب، بل حوّلت حياة المدنيين إلى رحلة يومية محفوفة بالموت، وحرمت المزارعين من أراضيهم والأطفال من مدارسهم والنازحين من العودة إلى منازلهم. وهنا يظهر الفارق بوضوح:
السعودية تمول نزع الألغام، بينما المليشيا تزرعها في أرض اليمن وبين أبنائه.

الحصار الحقيقي يبدأ من الداخل

الحصار الحقيقي لليمن لم يبدأ من الرياض، بل بدأ يوم انقلب الحوثيون على الدولة واستولوا على العاصمة ومؤسساتها بقوة السلاح، وحولوا موارد الدولة والجمارك والضرائب والموانئ والاتصالات إلى مصادر لتمويل المجهود الحربي وإثراء القيادات التابعة لهم.

كما فرضت المليشيا الجبايات، وعرقلت وصول المساعدات الإنسانية في أكثر من منطقة، وحاصرت مدناً يمنية لسنوات، الأمر الذي فاقم الأزمة الإنسانية وأطال أمد معاناة المدنيين.

باب المندب ليس ملكاً للمليشيا

تهديد الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب لا يستهدف السعودية وحدها، بل يمثل تهديداً للملاحة الدولية وللاقتصاد اليمني نفسه. فالمضيق ممر بحري دولي حيوي تمر عبره التجارة والطاقة والغذاء، وأي محاولة لتعطيله ستؤدي إلى زيادة كلفة الشحن والتأمين وارتفاع أسعار السلع، وسيكون المواطن اليمني من أوائل المتضررين.

إن المليشيا التي تهدد المضائق والسفن والمنشآت المدنية لا تدافع عن اليمن، بل تستخدم موقعه الجغرافي لخدمة مشروع إقليمي تقوده إيران. وهي بذلك تحول اليمن من دولة عربية ذات سيادة إلى منصة ضغط وابتزاز وتهديد لدول الجوار وللمجتمع الدولي.

الإرتهان لإيران هو أصل الكارثة

السؤال الذي يجب أن يوجه إلى الحوثيين ليس: لماذا تدعم السعودية اليمن؟ بل: لماذا استوردتم الفكر الإيراني إلى مجتمع عربي عريق؟ ولماذا ارتهنتم للقرار الخارجي، وحولتم أبناء اليمن إلى وقود لمعارك لا تخدم دولتهم ولا مستقبلهم؟

من الذي استولى على مؤسسات الدولة؟

من الذي صادر الرواتب والإيرادات؟

من الذي فرض الجبايات على التجار والمواطنين؟

من الذي زرع الألغام وحاصر المدن؟

ومن الذي يهدد اليوم بإغلاق باب المندب وتعريض اليمن والعالم لأزمة اقتصادية وأمنية جديدة؟

الإجابة واضحة: من يحاصر الشعب اليمني هو من صادر دولته، ونهب موارده، وعسكر مجتمعه، وربط قراره السياسي والعسكري بأجندة خارجية.

الخلاصة

السعودية لم تحاصر اليمن، بل احتضنت أبناءه، ودعمت اقتصاده وبنكه المركزي وعملته ورواتبه، ومولت الإغاثة والغذاء والدواء والتنمية ونزع الألغام، وقادت جهوداً سياسية متواصلة للوصول إلى تسوية تحفظ أمن اليمن ووحدته وسيادته.

أما مليشيا الحوثي، فقد حاصرت اليمن من داخله: حاصرت الدولة بالانقلاب، والاقتصاد بالجبايات والنهب، والمجتمع بالتجنيد والقمع، والمدن بالألغام والسلاح، والمستقبل بالارتهان للخارج.

لذلك فإن افتراءات الحوثيين لا تستطيع تغيير الحقيقة: المملكة تمد يدها لليمن بالحياة والسلام والتنمية، بينما تمد المليشيا يدها إلى موارده بالسلب، وإلى أبنائه بالتجنيد، وإلى جيرانه والممرات الدولية بالتهديد والتصعيد.

• الكاتب والباحث في العلاقات الدولية

د. أحمد بن حسن الشهري

الكاتب والباحث في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى