تمر علينا الكثير من الأحداث والمواقف التي نستفيد منها ونكتسب منها دروساً وخبرات في الحياة لتربية وتطوير ذواتنا، وزيادة شخصياتنا نضجاً ونجاحاً.
غير أنه في هذه المرة، ستكون خبراتنا مكتسبة من مصدر ونوع مختلف تماماً قد لا يخطر على بال الكثير منا؛ ألا وهي مباريات كرة القدم. نعم لا تستغرب ذلك، فالساحرة المستديرة مليئة وحافلة بالدروس الذاتية، الإدارية، والتربوية.
ونظراً لأننا عشنا مؤخراً أجواء الإثارة والمتعة في مونديال كأس العالم 2026 الذي احتضنته ملاعب أمريكا وكندا والمكسيك، فتعالوا نستنبط ونستخلص بعض الدروس من هذا المونديال.
لقد سمعنا مراراً وتكراراً بأن لايقلل الإنسان من قدراته، وأن لا يستسلم مهما كان منافسه أكثر شهرة وقوة وخبرة، ولكننا في هذا المونديال، رأينا تلك المقولة تتجسد كواقع ملموس على العشب الأخضر. فقد شق المنتخب المصري الشقيق طريقه بثبات، متخطياً مرحلة المجموعات ليدخل الأدوار الإقصائية . وفي دور الـ 16، كان الفراعنة على موعد مع مواجهة كسر العظم أمام منتخب الأرجنتين؛ حامل لقب نسخة 2022، وصاحب السمعة المونديالية الكبيرة بقيادة نجمهم ليونيل ميسي. لم يتهيب المصريون الفوارق التاريخية، بل تسلحوا بالجرأة والثقة وأبلوا بلاءً حسناً، مقدمين ملحمة كروية رائعة تفوقوا فيها على “التانجو” في فترات كثيرة من المباراة، وسنحت لهم فرص محققة لخطف بطاقة التأهل وإقصاء المرشح الأول. لكن الأرجنتين حسمت اللقاء بصعوبة بالغة بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدفين مستغلةً هفوات تحكيمية قاتلة في الأنفاس الأخيرة، إلا أن تلك الملحمة ستبقى درساً خالداً في قوة الإرادة والهمة التي تصنع المستحيل متى ما تسلّح بها أصحابها.
وفي مشهد آخر علمتنا مباراة بلجيكا والسنغال دروسا في عدم الاستسلام واليأس فبينما كان السنغاليون متقدمين بهدفين نظيفين ولم يتبقى من نهاية المبارة سوى خمس دقائق فقط حدثت المعجزة؛ إذ حوّل البلجيكيون هزيمتهم إلى تعادل لتمتد المباراة الي الأشواط الإضافية وفي اللحظات الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني خطف البلجيكيون هدف الفوز القاتل لتنتهي المباراة بفوز بلجيكا بثلاثة أهداف مقابل هدفين. هذا التحول الدراماتيكي لم يكن ليحدث لولا إيمان اللاعبين بأن المستحيل مجرد كلمة، وأن اليأس هو العدو الأول للنجاح، لتقدم لنا بلجيكا درساً حياتياً صارماً يعلمنا ألا نستسلم ما دام في الصدر نَفس .
ومن قلب ملاعب أمريكا الشمالية، برز درس آخر عنوانه الاستمرارية؛ جسّده النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي. فرغم تقدمه في العمر واقترابه من سن الأربعين، إلا أنه خاض البطولة بشراسة وقتالية ورغبة وشغف شاب في العشرين من عمره. هذا التوهج يعلمنا أن العمر ليس عائقاً أمام تحقيق النجاح، والأهم من ذلك، أن الإنجازات السابقة لا تعني التوقف، بل إن الحفاظ على الشغف والتعطش المستمر هو الوقود الحقيقي للبقاء في القمة وتحقيق المزيد من الأمجاد.
وجاء المشهد الختامي للمونديال ليعلن صراحة أن التلميذ قد يتفوق على أستاذه، وأن العمل الجماعي افضل من الفردية مهما بلغت عبقريتها. ففي المباراة النهائية، واجه المنتخب الإسباني -الأقل معدلاً في الأعمار والخبرة- كتيبة الأرجنتين المدججة بالخبرات وعلى رأسهم ميسي. وهنا تغلبت الروح الجماعية، والتناغم الشديد، والترابط التكتيكي للإسبان على الفردية المهارية لخصومهم؛ فانتصر الصغار سناً على الكبار خبرة، وتُوجت إسبانيا بطلاً للعالم، لتؤكد لنا هذه الموقعة أن العمل الجماعي مع تعاون وتجانس وروح المجموعة افضل من الفردية ولو كان الأفراد متميزين وخبراء .
وهكذا، فإن الإنسان الحكيم هو من يتأمل الأحداث والمواقف التي تدور حوله ليستخلص منها العِبر والحِكم لمسيرته الذاتية والإدارية والتربوية.
لذلك في المرة القادمة التي تشاهد فيها مباريات كرة القدم، راقب، تأمل، واستنبط.. فحتماً ستضيف إلى متعة المشاهدة متعة أخرى أعمق، واهم تزيد من نضج شخصيتك وخبراتك في الحياة.






