كتبت الخاطرة أدناه قبل نحو ثمانية أعوام، ولم تكن معدّة للنشر حينئذ، وإنما كانت حديثا بيني وبين نفسي. ظلّت حبيسة أوراقي كل تلك السنوات، ثم عدت إليها اليوم، لا لأثبت أنني كنت على صواب، وإنما لأتأمل كيف يعيد الزمن قراءة ما كتبناه، وكيف تتغير رؤانا ونظرتنا إلى الأحداث حين تنقضي وتتكشف آثارها.
وهذا نصها كما كتبته آنذاك، مع بعض التهذيب اللغوي:
“لا تلوموني إن بدوت متناقضا أحيانا في أقوالي أو أفعالي، أو حتى فيما أحب وما أكره، وفيما ألبس وآكل وأشرب، فأنا، في نهاية الأمر، حصيلة حقب زمنية متعاقبة، لكل حقبة ظروفها وأحداثها ورؤاها ومسلّماتها.
وُلدت في حقبة كان أكبر همّ كثير من الناس فيها أن يعبدوا ربهم، وأن يجدوا قوت يومهم. لم يكونوا يعرفون عن السياسة كثيرا، ولا يحبذون الخوض فيها، ويكتفون حيالها بالتوجيه الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.ثم ترعرت في جيل تتجاذبه ثلاث قوى:
السلطة السياسية، وكان المجتمع في عمومه متصالحا معها، ويلجأ إليها إذا نزلت به نازلة،
وسلطة الدين، وكان ينظر إليها بثقة وإيمان ورجاء في رحمة الله،
ثم السلطة الثقافية المتمثلة في العادات والتقاليد، وهي السلطة الأكثر حضورًا في الحياة اليومية، بما لها من إيجابيات وسلبيات، وبما فرضته من أعراف وضوابط كان تجاوزها والعبث بها أمرا بالغ الصعوبة، حتى أصبحت،في كثير من الأحيان، أقوى أثرا من السلطتين السابقتين.
ثم برزت سلطة رابعة لم نكن نعرف عنها الكثير في بداياتها،،استمدت من الدين لغته ورموزه، ومن حماس العامة وقودها، وجعلت من السياسة خصما دائما. فسعت إلى إضعاف العلاقة المتصالحة بين الفرد وقيادته، كما أعادت تشكيل العلاقة بين الفرد ودينه، حتى أصبحت تقدم نفسها مفسرا وحيدا للعلاقة بين العبد وربه ومرجعية في التوجيه.
وبرغم حداثة هذه السلطة، فقد استطاعت أن تستقطب شريحة واسعة نسبيا من المجتمع، وأن تعيد ترتيب أولوياته، وتخلط كثيرا من أوراقه، وإن أخفقت في بلوغ غايتها الكبرى.
والحديث عن تلك المرحلة يطول، وقد كتب عنها الكثيرون وتباينت القراءات في تفسيرها وتقويمها، وربما لن تكون هذه الخاطرة أوفر حظًا مما سبقها. غير أن ما بقي عالقًا في ذاكرتي ليس كثرة الجدل حولها، بل الأثر العميق الذي تركته في عقول شريحة من المجتمع، حتى بدا لبعض الناس أن فهم الدين لا يكون إلا من خلال زاوية واحدة وقراءة واحدة، وأن الرأي المخالف ليس اختلافا في الاجتهاد، بل خروجا عن الجادة.ولكي لا يُساء فهم ما أقوله، فليس حديثي عن الدين، ولا عن التدين الصادق الذي نعرفه عند أهل العلم الراسخين، والذي يسمو بالإنسان ويصلح علاقته بربه. وإنما حديثي عن توظيف الدين، واستثمار عاطفة الناس الدينية، وتحويلها إلى وسيلة لتحقيق أهداف لا تمت إلى جوهر الدين بصلة، وفي مقدمتها الأهداف السياسية والسعي إلى السلطة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول أن كثيرا ممن انخرطوا في تلك المرحلة لم يكونوا أصحاب تلك الغايات، بل كانوا أناسًا بسطاء مخلصين قصدوا الخير لدينهم ودنياهم ، غير أنهم وجدوا أنفسهم -غالبًا من غير قصد- جزءا من مشروع اختلطت فيه الأوراق.
ولعل أقرب صورة تشبيهية يمكن أن أصف بها لتلك الحقبة ، أن تلك الشريحة أُقنِعت بأن يدها مكسورة وتحتاج إلى جبيرة، فأُلبست تلك الجبيرة سنوات طويلة، وتعاملت معها على أنها ضرورة لا غنى عنها. ثم، عندما أزيلت الجبيرة، اكتشف كثيرون أن اليد لم تكن مكسورة أصلا، غير أن بقاءها داخل الجبيرة كل تلك المدة أفقدها شيئا من مرونتها وحيويتها الطبيعية، فاحتاجت إلى وقت حتى تستعيد قدرتها على الحركة كما كانت”.
اليوم، وبعد مرور سنوات على كتابة تلك الخاطرة، أجد أن كثيرا مما اختلط على الناس آنذاك أصبح أوضح مما كان. ومن الإنصاف هنا، يجب أن نذكر أن المملكة شهدت خلال السنوات الأخيرة مراجعات فكرية واسعة لكثير من المفاهيم التي أُلصقت بالدين وليست منه، وكان لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- دور محوري في قيادة هذا التحول، من خلال تبني مشروع واضح لاستعادة الاعتدال والتأكيد على التمييز بين الدين بوصفه وحيا ثابتا وبين توظيفه لتحقيق غايات بشرية لا تمت إلى جوهره بصلة..ولعل أهم ما تعلمناه من تلك التجربة أن الأفكار، مهما بدت في زمنها حقيقة لا تُناقش، تبقى اجتهادات بشرية قابلة للمراجعة.
• أكاديمي




