المقالات

رجال أعمال… يصنعون الخير في صمت

في زمن أصبحت فيه وسائل الإعلام التقليدية والرقمية حاضرة في أدق تفاصيل حياتنا، وأصبح كثير من الناس يوثقون أعمالهم وإنجازاتهم وينشرونها على نطاق واسع، لا تزال هناك فئة من رجال الأعمال تستحق الوقوف عندها بإجلال وتقدير، فئة آمنت بأن أعظم العطاء ما كان خالصًا لله تعالى، وأن قيمة الإحسان لا تقاس بعدد الكاميرات ولا بحجم التغطية الإعلامية، وإنما بما يتركه من أثر في حياة المحتاجين، وما يدخره الله لصاحبه من أجر وثواب.
فهؤلاء الرجال جبلوا على حب الخير، والسخاء، والبذل، والعطاء، حتى أصبح فعل الخير جزءًا من شخصياتهم، لا ينتظرون عليه جزاءً ولا شكورًا من الناس. تراهم يسارعون إلى تفريج كربة معسر، أو سداد دين مديون، أو علاج مريض، أو إعانة أسرة متعففة، أو تحقيق حاجة إنسان ضاقت به السبل، ثم ينصرفون بصمت، وكأنهم لم يقدموا شيئًا.
وما يلفت النظر أن كثيرًا منهم يتعمدون الابتعاد عن الأضواء، ويرفضون نشر أعمالهم الخيرية أو الإشارة إليها، بل قد يغضب بعضهم إذا علم أن أحدًا تحدث عن عطائه أو أشاد به في وسائل الإعلام. إنهم يدركون أن الإخلاص هو روح العمل، وأن ما كان لله يبقى وينمو ويباركه الله، بينما قد تذهب الشهرة ويبقى الأجر لمن أخلص النية.
لقد عرفت عن قرب عددًا من هؤلاء النبلاء، وشاهدت مواقف إنسانية يصعب وصفها، تجاوزت حدود الدعم المالي إلى احتضان المحتاجين، ومواساتهم، وحفظ كرامتهم، والعمل على قضاء حوائجهم بسرية تامة. ولولا خوفي من غضبهم وحرصهم الشديد على إخفاء أعمالهم، لذكرت أسماءهم ليكونوا قدوة للآخرين، لكنني أعلم يقينًا أنهم يفضلون أن تبقى تلك الأعمال بين العبد وربه. والمجتمع بحاجة إلى مثل هذه النماذج الملهمة، ليس لأنها تملك المال فحسب، بل لأنها تملك قلبًا نابضًا بالرحمة، وإيمانًا بأن المال أمانة ورسالة، وأن خير ما ينفق فيه هو ما يخفف آلام الناس ويزرع الأمل في نفوسهم. كما أن وجود هذه النماذج يعزز قيم التكافل الاجتماعي، ويؤكد أن الخير لا يزال متجذرًا في مجتمعنا، وأن رجال الأعمال ليسوا جميعًا باحثين عن الشهرة أو المصالح، بل إن فيهم من يجعل العطاء أسلوب حياة، ويكتفي بدعوة صادقة من محتاج، أو ابتسامة ارتسمت على وجه يتيم، أو دمعة فرح سالت من عين مكروب.
إن هؤلاء الرجال يقدمون درسًا عمليًا في الإخلاص، ويجسدون المعنى الحقيقي للصدقة الخفية التي أخبر النبي ﷺ بفضلها، حين يكون همُّ صاحبها رضا الله وحده، لا تصفيق الناس ولا عبارات الإشادة والثناء.
أسأل الله أن يبارك لهم في أموالهم وأعمارهم وأبنائهم، وأن يجعل ما يقدمونه في موازين حسناتهم، وأن يخلف عليهم خيرًا مما أنفقوا، وأن يكثر في مجتمعنا من أمثالهم، فهم منارات خير، وجنود مجهولون، يعملون بصمت، لكن آثار عطائهم تتحدث عنهم في كل بيت فرح بعد كربة، وفي كل نفس أحييت بعد يأس.

د. تركي بن فهد العيار

أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى