كتاب الرأي

حين غيّرت أسلوبها… تغيّر كل شيء

كثير من الأزواج يعتقدون أن حل الخلافات الزوجية يبدأ بتغيير الطرف الآخر، بينما تؤكد التجارب المهنية أن البداية الحقيقية غالبًا تكون من مراجعة الإنسان لأسلوبه هو أولًا.

ومن خلال إحدى الحالات التي تابعتها في الخدمة الاجتماعية الطبية، كانت زوجة تعاني منذ عشر سنوات من خلافات زوجية مستمرة انعكست على صحتها النفسية والجسدية، حتى أصيبت بأعراض القولون العصبي وأصبحت تعيش تحت وطأة التوتر الدائم.

وخلال الجلسات العلاجية، تم الاتفاق على تطبيق مجموعة من الأساليب العلاجية السلوكية التي تهدف إلى تحسين مهارات التواصل، وخفض حدة الانفعالات، والتعامل مع الخلافات بطريقة أكثر هدوءًا.

وعند مراجعتها في الجلسة التالية، أفادت بأنها التزمت بالخطة العلاجية، وكان أهم ما قامت به هو تغيير أسلوبها في الحوار مع زوجها. فقد أوضحت أنها كانت في السابق تقابل أسلوبه الحاد بأسلوب أكثر حدة، فكانت كل مناقشة تتحول إلى خلاف جديد، ويزداد التوتر بينهما.

لكنها قررت أن تكسر هذه الحلقة، فأصبحت أكثر هدوءًا، وأقل اندفاعًا، وأكثر حرصًا على اختيار الوقت المناسب للحوار، دون أن يعني ذلك التنازل عن حقوقها أو قبول الإساءة، وإنما تغيير طريقة إدارة الخلاف.

وكانت النتيجة ـ بحسب وصفها ـ أن مستوى التصعيد بينهما بدأ ينخفض، وأصبح الحوار أكثر هدوءًا من السابق، وشعرت بأن العلاقة الزوجية بدأت تتجه نحو قدر أكبر من الاستقرار.

ولم يقتصر التغيير على الجانب السلوكي، بل اهتمت أيضًا بتحسين نمطها الغذائي، وهو ما انعكس إيجابًا على صحتها الجسدية، حيث لاحظت تحسنًا واضحًا في أعراض القولون العصبي، إلى جانب تحسن حالتها النفسية وانخفاض مستوى التوتر.

ولا تعني هذه القصة أن المسؤولية تقع دائمًا على طرف واحد، أو أن تغيير أحد الزوجين سيحل جميع المشكلات، فهناك حالات تتطلب تدخلًا مشتركًا من الزوجين، وقد تحتاج إلى علاج أسري أو استشارة متخصصة. لكنها تبرز حقيقة مهمة، وهي أن تعديل أسلوب التواصل قد يخفف كثيرًا من حدة الخلافات، ويفتح بابًا للحوار والتفاهم.

إن الكلمات الهادئة لا تعني الضعف، وضبط الانفعال لا يعني الاستسلام، بل هو مهارة تساعد على إدارة الخلافات بطريقة أكثر نضجًا. وعندما يتعلم الزوجان كيف يختلفان باحترام، يصبح الوصول إلى الحلول أقرب، ويستعيد البيت شيئًا من السكينة التي يحتاجها الجميع.

ولعل أهم رسالة تقدمها هذه التجربة أن بعض التغييرات الصغيرة في طريقة الحديث، وإدارة الانفعال، والاهتمام بالصحة الجسدية، قد تصنع أثرًا كبيرًا في جودة الحياة الزوجية، وتنعكس إيجابًا على الصحة النفسية والجسدية معًا.

د. عبدالرحمن حسن جان

دكتوراه في علم الاجتماع، وباحث في القضايا الأسرية والاجتماعية، مهتم بدراسة التحولات الاجتماعية وتعزيز الوعي الأسري والاستقرار النفسي والاجتماعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى