كتاب الرأي

المرصد الوطني للأبحاث… من النشر إلى المنتج

لم تعد قضية البحث العلمي في المملكة اليوم قضية عدد الأبحاث المنشورة فقط، فقد قطعت الجامعات والمراكز البحثية السعودية شوطًا كبيرًا في النشر العلمي، وأصبح الإنتاج البحثي السعودي حاضرًا في قواعد البيانات العالمية والمجلات المحكمة. لكن السؤال الأهم في هذه المرحلة هو: *كم من هذه الأبحاث تحول إلى منتج؟* *وكم منها أصبح تقنية، أو شركة ناشئة، أو براءة اختراع مستثمرة، أو حلًا وطنيًا يخدم الصناعة والصحة والطاقة والمياه والذكاء الاصطناعي؟*

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مبادرة وطنية نوعية، تتمثل في إنشاء مرصد وطني للأبحاث والابتكار التطبيقي، تتولاه جهة وطنية متخصصة مثل مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية أو هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، بالتكامل مع الجامعات السعودية ومراكز الأبحاث.

وتقوم فكرة هذا المرصد على إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تضم الأبحاث العلمية المقدمة للترقيات الأكاديمية في الجامعات، إضافة إلى الأبحاث الممولة أو المنشورة من المراكز البحثية الوطنية. ولا يكون الهدف مجرد الأرشفة، بل تصنيف الأبحاث وفق قابليتها للتحول إلى منتج أو تقنية أو خدمة أو سياسة عامة، ثم متابعة ما تحقق منها بعد النشر.

إن هذا المرصد سيجعلنا نعرف بدقة: كم بحثًا بقي في المجلة العلمية؟ وكم بحثًا تحول إلى براءة اختراع؟ وكم براءة وصلت إلى السوق؟ وكم مشروعًا بحثيًا أسهم في تقليل الاستيراد أو رفع المحتوى المحلي أو معالجة مشكلة وطنية؟ وبهذه الطريقة ننتقل من قياس *“كم نشرنا؟” إلى قياس “ماذا أنتجنا؟”.*

كما يمكن للمرصد أن يربط الباحثين بالمستثمرين، والجامعات بالشركات، والمختبرات بالمصانع، ويمنح صناع القرار خريطة واضحة لمجالات القوة والضعف في البحث العلمي الوطني. وعندها يصبح التمويل أكثر دقة، والترقيات أكثر ارتباطًا بالأثر، والبحث العلمي أكثر قربًا من حاجات التنمية.

إن رؤية المملكة 2030 لا تريد بحثًا علميًا معزولًا عن الاقتصاد، بل معرفة تصنع أثرًا، وتقنية تخدم الإنسان، ومنتجًا سعوديًا ينافس. ولهذا فإن إنشاء مرصد وطني للأبحاث قد يكون خطوة عملية لتحويل الجامعات من مصانع للنشر إلى منصات للابتكار والإنتاج.

الخلاصة أن المرحلة القادمة لا يكفي فيها أن نفتخر بعدد الأبحاث المنشورة، بل يجب أن نسأل: أين المنتج الوطني؟ وأين الأثر؟ وأين الصناعة التي وُلدت من الجامعة؟ فعندما يصبح البحث العلمي طريقًا إلى المنتج، نكون قد انتقلنا من ثقافة النشر إلى ثقافة الأثر.

*أ.د. عوض بن خزيم الأسمري*

أ.د. عوض بن خزيم الأسمري

رئيس جامعة شقراء، عضو مجلس الشورى السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى