ودع الوسط العلمي والثقافي والتعليمي والأدبي، بل ودع المجتمع السعودي بأسره، واحدًا من رجاله الذين تركوا بصماتٍ مضيئة في ميادين الإدارة الجامعية، والثقافة، والأدب، والحوار الوطني، والعمل الاجتماعي. عُرف بحبه للخير، ودماثة خلقه، وسعة صدره، وإخلاصه في أداء رسالته، إنه معالي الدكتور الشريف راشد بن محمد الراجح -رحمه الله-، الذي انتقل إلى جوار ربه بعد مسيرة علمية وإدارية وإنسانية حافلة بالعطاء والإنجاز.
لقد كان من أولئك الرجال الذين لا تُقاس مكانتهم بالمناصب التي تقلدوها، ولا بالألقاب التي حملوها، ولا بالأوسمة التي نالوها، وإنما بالأثر الذي يتركونه في النفوس، والقيم التي يغرسونها في طلابهم وزملائهم ومجتمعهم. فالمناصب تزول، ويبقى الذكر الحسن، والعمل الصالح، والأثر النافع.
وحين تولى إدارة جامعة أم القرى، لم يكن ينظر إليها بوصفها مؤسسة أكاديمية فحسب، بل كان يعدها رسالة وطنية، ومنارة للعلم، ومصنعًا للعقول، ومشروعًا لبناء الإنسان. وكان يؤمن أن الجامعة العريقة لا تُبنى بالمباني وحدها، وإنما بالرؤية، والكفاءات، والإنسان الذي يحمل رسالتها.
ومن هذا المنطلق، أولى البيئة الجامعية عنايةً استثنائية، وبذل من وقته وجهده ووجاهته الشيء الكثير في سبيل تأسيس البنية التحتية للجامعة، حتى تُوجت تلك الجهود فيما بعد بتوفير أرض المدينة الجامعية بالعابدية ، التي شُيد على ثراها صرحٌ أكاديمي شامخ، غدا اليوم منارةً علميةً يفخر بها الوطن، ويضاهي في مكانته كثيرًا من الجامعات المرموقة.
ولم يقتصر اهتمامه على تشييد المباني، بل كان يؤمن أن الجامعة لا تسمو إلا بكفاءاتها العلمية، وأن عضو هيئة التدريس هو حجر الزاوية في نهضتها. لذلك حرص، بدعم من قيادة هذه البلاد المباركة -حفظها الله- على ابتعاث منسوبي الجامعة إلى أعرق الجامعات وأفضل منارات العلم في العالم، ليعودوا مزودين بأحدث المعارف والخبرات، فيسهموا في تطوير الجامعة، ونقل التجارب العالمية، وبناء أجيال جديدة من الباحثين والعلماء. لقد كان يؤمن أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي لا ينضب.
وكان -رحمه الله- قريبًا من طلابه، لا يحجبه عنهم منصب، ولا تحول بينه وبينهم الإجراءات الرسمية. كان يلتقيهم في القاعات الدراسية، ويحاورهم، ويستمع إلى آرائهم ومقترحاتهم، ويتلمس احتياجاتهم بنفسه، ويحرص على إزالة ما يعترض طريقهم من معوقات.
ولا تزال عالقةً في ذاكرتي زيارته لكلية التربية بالطائف عندما كنت أحد طلابها. فقد استمع يومها إلى معاناة الطلاب المغتربين من عدم توفر السكن الجامعي، ولم يكتفِ بالاستماع، بل وجّه فورًا بمعالجة المشكلة، حتى تم توفير سكن مناسب لهم خلال أسابيع قليلة. وكانت تلك الحادثة تجسد شخصيته العملية، وسرعة استجابته، وحرصه على أبنائه الطلاب.
ولئن لم يُرزق -رحمه الله- أبناءً من صلبه، فقد كان يرى في طلاب الجامعة أبناءً له، يحمل همومهم، ويفرح لنجاحهم، ويحرص على تهيئة البيئة التي تعينهم على التفوق والتميز، مؤمنًا بأن بناء الإنسان هو أعظم صور البناء.
وامتد عطاؤه إلى الساحة الثقافية حين تولى إدارة نادي مكة الأدبي، فكان مؤمنًا بأن الثقافة ليست ترفًا فكريًا، بل ركيزة من ركائز نهضة المجتمع، وأن الأدب والفكر يسهمان في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعميق الانتماء. فاحتضن المثقفين، وشجع المبدعين، وفتح أبواب النادي للحوار والإبداع، فكان حضوره الثقافي امتدادًا لحضوره العلمي.
ثم كان عطاؤه في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني امتدادًا طبيعيًا لشخصيته المتزنة، حيث أسهم في ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز قيم الاعتدال والوسطية، وكان يؤمن أن الحوار الصادق يجمع ولا يفرق، ويقرب ولا يباعد، وأن قوة الأوطان تكمن في تماسك أبنائها، واحترامهم للرأي، واجتماعهم على خدمة وطنهم.
وعلى الرغم من تعدد مسؤولياته، ظل قريبًا من الناس، حاضرًا في مناسباتهم، محبًا للإصلاح، سبّاقًا إلى أعمال الخير، كريم النفس، لطيف المعشر، يجمع ولا يفرق، ويؤلف بين القلوب، ويعمل بصمت بعيدًا عن الأضواء، فلا يبتغي إلا رضا الله، ثم خدمة دينه، وقيادته، ووطنه، ومجتمعه.
إن الرجال لا يخلدهم طول أعمارهم، وإنما يخلدهم ما يتركونه من أثر. وقد رحل الدكتور الشريف راشد الراجح عن الدنيا، لكن المدينة الجامعية التي أسهم في قيامها، والعقول التي عمل على إعدادها، والطلاب الذين احتضنهم، والمؤسسات التي قادها، والقيم التي عاش لها، ستظل جميعها شاهدةً على إخلاصه، ووفائه، وبعد نظره.
رحم الله معالي الدكتور الشريف راشد الراجح، فقد كان من الرجال الذين إذا تولوا أحسنوا، وإذا خدموا أخلصوا، وإذا رحلوا تركوا وراءهم إرثًا من العلم والعمل والوفاء. لقد أخلص لقيادته ووطنه ومجتمعه أعظم الإخلاص، فاستحق أن يبقى ذكره في القلوب قبل أن يبقى في صفحات التاريخ.
نسأل الله الكريم أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، ويرفع درجاته في عليين، وأن يجعل ما قدمه من علم، وما غرسه من خير، وما أسسه من أعمال نافعة في ميزان حسناته، وأن يجزيه عن وطنه وأمته خير الجزاء، وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
• مرعي بن محمد البركاتي – مدير تعليم الليث سابقًا



