أكتب هذه السطور من واقع تجربة يومية داخل غرفة الأخبار، بوصفي رئيس تحرير مارس العمل الصحفي وعايش تحولاته، ومن منطلق دراسة أكاديمية في الاتصال والإعلام الرقمي. ومن هذا الموقع الذي يجمع بين الممارسة المهنية والرؤية العلمية، أرى أن الصحافة تقف اليوم أمام مرحلة تختلف عن كل المراحل التي مرت بها من قبل.
انتقلت الصحافة عبر تاريخها من الورق إلى الشاشة، ثم إلى الهاتف الذكي، وظهرت مسميات مثل «صحافة المواطن» و«صحافة الموبايل». وفي اعتقادي، كانت هذه المسميات تعبّر في معظمها عن تغير في وسيلة إنتاج المحتوى أو نشره، بينما بقيت العملية التحريرية في جوهرها كما هي.
أما الذكاء الاصطناعي فقد دخل في قلب العملية التحريرية نفسها.
فهو لم يعد مجرد برنامج مساعد، بل أصبح حاضرًا في البحث، والترجمة، والتفريغ، والتصحيح، والتدقيق اللغوي، والتحرير الأولي، وصناعة العناوين، والتصميم، والمونتاج، وإنتاج المحتوى الصوتي والمرئي، واقتراح زوايا المعالجة.
ومن وجهة نظري، هنا يكمن الفرق الحقيقي بينه وبين الأدوات السابقة. فصحافة المواطن غيّرت مصدر المحتوى، وصحافة الموبايل غيّرت أداة الإنتاج، أما الذكاء الاصطناعي فقد بدأ يغيّر طبيعة العمل داخل غرفة الأخبار، ويعيد توزيع الأدوار بين العاملين فيها.
لقد أصبحت بعض المهام التي كانت تحتاج إلى مصحح لغوي، أو مدقق، أو مترجم، أو مفرغ للتسجيلات، أو محرر للأخبار الروتينية، تُنجز خلال دقائق. ولا يعني ذلك، في اعتقادي، أن الإنسان أصبح خارج العملية، بل إن دوره انتقل إلى مستوى أعلى من المراجعة والاختيار والتوجيه وتحمل المسؤولية المهنية.
ومن واقع تجربتنا العملية في صحيفة مكة الإلكترونية، ومتابعتي المهنية والأكاديمية للتحولات التي يشهدها الإعلام الرقمي، أصبح الذكاء الاصطناعي رافدًا مهمًا للعملية التحريرية اليومية. نستعين به في البحث، والتحرير، والتدقيق، والترجمة، والتصميم، وإنتاج المواد الصوتية والمرئية، مع بقاء القرار النهائي والمسؤولية المهنية بيد الإنسان.
ولهذا أميل إلى استخدام مصطلح «صحافة الذكاء الاصطناعي». ففي اعتقادي، لم نعد أمام وسيلة جديدة تُضاف إلى وسائل الصحافة، بل أمام مرحلة جديدة أعاد فيها الذكاء الاصطناعي تشكيل المهام والأدوار داخل غرفة الأخبار.
وبعد صحافة المواطن وصحافة الموبايل، ربما أصبح من المناسب أن نتحدث عن «صحافة الذكاء الاصطناعي»، لأن التغيير لم يعد في أدوات الصحافة وحدها، بل وصل إلى صميم العملية التحريرية نفسها. وهو طرح أضعه أمام المهنيين والباحثين، لعلّه يفتح بابًا لدراسات أعمق ترصد هذه المرحلة، وتحدد سماتها، وتقيس أثرها في مستقبل العمل الصحفي.


مقال رائع كما عودتنا ولكن بوجهة نظري حتى ولو دخل الذكاء الاصطناعي دخل بالإعلام والصحافة يبقى الإنسان هو العامل المميز تحرير او الكتابه او كان تدقيق روح الإنسان يظهر عند القارى بشكل واضح