المقالات

“أكثر من عشرين… فاختاروا الأبعد”

لطالما وُصفت مهنة التعليم بالرسالة السامية ، لكن التساؤل المطروح اليوم: هل الإجراءات الحالية تحافظ على قدسية هذه الرسالة أم تثقل كاهل من يحملها؟

المشهد يتكرر كل عام مع حركة النقل الخارجي.
حين يُطلب من المعلم والمعلمة تسجيل أكثر من عشرين رغبة إجبارية، ثم تكون النتيجة اختيار الرغبة الأخيرة والأبعد.
هنا يبرز السؤال: ما الجدوى من تعدد الخيارات إذا كان المصير محسوماً سلفاً؟ وهل أصبحت كثرة الرغبات وسيلة مقننة للإبعاد بدلاً من أن تكون أداة للاستقرار؟

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد.
ففي معايير المفاضلة الحالية، يُختزل التميز في رقم واحد: سنوات الخبرة.
تُهمّش بذلك الشهادات والدورات والقيادة والإدارة والإبداع.
فيتساوى من أفنى عمره في التطوير مع من اكتفى بالمدة الزمنية فقط.
ألا يعد ذلك قتلاً بطيئاً للدافع نحو التميز؟

الأكثر إشكالية يظهر عند المفاضلة بين فئتين:
معلم مستقر في مدينته منذ سنوات، ومعلم آخر قضى سنوات طويلة في الغربة.
حين تُرجّح كفة الأول بحجة “الخبرة” ويُبعد الثاني، فإن النظام بذلك يرسخ منطقاً غريباً: مكافأة الاستقرار ومعاقبة الغربة.
وهذا يضرب في الصميم مفهوم الاستقرار الأسري والاجتماعي الذي تنادي به كل السياسات التعليمية.

التعليم لا يمكن أن ينهض في بيئة يشعر فيها المعلم بالإجحاف.
والرسالة السامية لن تستمر إلا إذا شعر حاملها بالإنصاف والتقدير.

المطلوب ليس امتيازات، بل معايير عادلة وشفافة  تراعي: التميز، والظروف، والرغبة الحقيقية، والاستقرار.
مطلوب أن تُحترم الرغبات فعلياً، لا أن تُستخدم كواجهة شكلية.

إنصاف المعلم هو إنصاف للتعليم…
فبدون معلم مستقر ومقدّر، ستظل الشمعة التي تنير الأجيال مهددة بالانطفاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى