في جبال زهران، حيث تتعانق القمم مع السحاب، وحيث تحفظ الصخور ذاكرة السنين، تقف قرية شبرقة شامخةً كأنها صفحة من كتاب التأريخ لم تطوَ بعد.
هناك، في ذلك المكان الذي شهد أيامًا عصيبة من تاريخ المنطقة، يبرز اسم عصيدان؛ اسمٌ لم يكن عابرًا في سجل الأيام، بل ارتبط بموقفٍ من مواقف العزة، وبقصة رجالٍ أدركوا أن الأرض ليست ترابًا يُورث، وإنما أمانة تُصان.
وليس غريبًا أن يصبح الحصن شاهدًا على صاحبه؛ فبعض الرجال تبني لهم الأيام حصونًا من الذكر، كما يبني الرجال الحصون من الحجر.
وحصن عصيدان واحد من تلك الشواهد.
*حين اقتربت العاصفة*
كان حضور الدولة العثمانية في المنطقة قد جعل الأهالي أمام واقع جديد، واقعٍ لم يكن من السهل التعامل معه. قوة عسكرية منظمة، وسلاح وعتاد، في مواجهة مجتمع يعرف جباله وشعابه ومسالكه، ويعرف قبل ذلك قيمة أرضه.
وفي مثل هذه الظروف تظهر معادن الرجال.
لم يكن عصيدان ممن ينتظرون أن يصنع الآخرون لهم مصيرهم، بل كان من أولئك الذين أدركوا أن اللحظة التاريخية لا تنتظر المترددين.
فجمع الرجال، وشحذ الهمم، وأصبح الحصن موضعًا تتجمع فيه إرادة المقاومة.
وهنا لا تعود الحجارة مجرد حجارة.
كل جدار يصبح ساترًا، وكل مرتفع يصبح موضعًا للمراقبة، وكل طريق يعرفه أبناء الأرض يتحول إلى عنصر من عناصر القوة.
كان العدو يملك السلاح، ولكن أبناء زهران كانوا يملكون شيئًا لا تستطيع الجيوش أن تشتريه:
معرفة الأرض، وشجاعة الرجال، وصدق الانتماء.
شبرقة… يوم تكلمت البنادق
وفي رجب من عام 1321هـ، شهدت شبرقة واحدة من الوقائع التي بقيت في ذاكرة أهلها.
لم تكن المعركة مجرد مواجهة بين طرفين، وإنما كانت امتحانًا للثبات.
وفي ساعة الخطر لا قيمة للكلام؛ فهناك فقط يظهر الرجل الذي كان يتحدث عنه الناس قبل المعركة.
*وهناك كان عصيدان*.
لم يكن المطلوب منه أن يكون أشجع الرجال فحسب، بل أن يكون أكثرهم ثباتًا، وأن يمنح من حوله الثقة في لحظة يمكن للخوف فيها أن يتسلل إلى النفوس.
وهكذا تحولت شبرقة إلى ساحة من ساحات الصمود.
وكانت الجبال، التي طالما ظنها الغريب عائقًا، تعرف أبناءها أكثر مما يعرفها القادم إليها.
فكل شعابٍ لها اسم، وكل طريقٍ له ذاكرة، وكل صخرةٍ قد تكون شاهدًا على موقف.
*عصيدان… الرجل قبل الحصن*
قد يُنسى البناء إذا انهار، وقد تتغير ملامح المكان مع الزمن، لكن الرجال الذين يصنعون المواقف لا تهدمهم السنون.
ولذلك فإن قيمة حصن عصيدان ليست في عمره وحده، ولا في طريقة بنائه، ولا في موقعه؛ وإنما في القصة التي ارتبطت به.
فالحصن حمل اسم الرجل، والرجل حمل في موقفه اسم قومه.
وهذه هي العلاقة الجميلة بين المكان والإنسان:
المكان يحفظ الرجل، والرجل يمنح المكان ذاكرة.
ولهذا كلما وقف أحد أمام حصن عصيدان، فإنه لا ينبغي أن يسأل فقط: متى بني هذا الحصن؟
بل عليه أن يسأل:
من الرجال الذين وقفوا هنا؟
وماذا كانوا يدافعون عنه؟
وماذا كان يعني لهم أن تبقى هذه الأرض لأهلها؟
التاريخ ليس للتفاخر
إن استحضار قصة عصيدان ليس دعوة إلى تمجيد الماضي لمجرد الماضي، ولا إلى تحويل التاريخ إلى خصومة مع أحد.
التاريخ الحقيقي مدرسة.
وإذا كان أجدادنا قد واجهوا ظروفًا قاسية بإمكانات محدودة، فإن أعظم ما نستفيده من سيرتهم هو أن القوة الحقيقية تبدأ من الإنسان.
فالعتاد بلا إرادة لا يصنع نصرًا، والعدد بلا قيادة قد يتحول إلى فوضى، والأرض بلا رجال يعرفون قيمتها تصبح عرضة لمن يطمع فيها.
أما إذا اجتمعت القيادة والشجاعة ومعرفة الأرض ووحدة الصف، فإن القليل قد يقف أمام الكثير.
**ويبقى عصيدان*
مرت السنون.!!!
وتغيرت الحياة.!!!
وانتقل الناس من حياة الحصون والقرى الجبلية إلى حياة المدن والطرق الحديثة، وأصبح كثير من أبناء الجيل الجديد يعرفون التاريخ من الكتب والصور.
لكن الحصن لا يزال هناك.
صامتًا في ظاهره، متكلمًا في معناه.
كل حجر فيه يقول إن وراءه رجالًا عاشوا في زمن مختلف، لكنهم كانوا يعرفون معنى الكرامة.
وكل زاوية من زواياه تذكرنا بأن الأمم لا تحفظ تاريخها بالكتابة وحدها، وإنما تحفظه حين تعرّف أبناءها برجالها ومواقفهم.
ولذلك فإن من حق عصيدان علينا أن نعيد قراءة سيرته، ومن حق شبرقة علينا أن نحفظ قصتها، ومن حق الأجيال القادمة أن تعرف أن في هذه الجبال رجالًا مروا من هنا، وتركوا خلفهم أثرًا يستحق أن يُروى.
رحم الله عصيدان ورجال زهران، ورحم الله كل من مضى من رجال تلك المرحلة، وجعل ما قدموه من مواقف في ميزان حسناتهم.
ويبقى الحصن واقفًا…
وتبقى شبرقة شاهدة…
ويبقى اسم عصيدان يتردد في ذاكرة المكان، ليقول للأجيال:
قد يمضي الرجال،
وقد تصمت البنادق،
وقد تهدأ المعارك،
لكن الموقف الشريف لا يموت.






