الحلقة الثانية: الوداع… حين بدأت الرحلة قبل أن تقلع الطائرة
لم تبدأ رحلتي إلى المدينة المنورة يوم أقلعت الطائرة من مطار أسمرة، وإنما بدأت يوم تناهى إلى أسماعنا أن مندوب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة قد وفى بوعده، وأن المنحة قد صدرت، وأن اسمي أصبح ضمن المقبولين. في تلك اللحظة تغيّر كل شيء، فلم تعد المدينة حلمًا بعيدًا، بل أصبحت موعدًا ينتظرنا، وبدأت رحلة الاستعداد للرحيل. كان لا بد من استخراج الوثائق الرسمية، فبدأت رحلة أخرى لا تقل مشقة عن السفر نفسه؛ استخراج شهادة الميلاد، والحصول على جواز السفر، وإكمال الفحص الطبي، وإنهاء الأوراق المطلوبة من الدوائر الحكومية المختلفة. وكان ذلك كله يجري في واحدة من أصعب الفترات التي عرفتها إريتريا. كانت الثورة قد وصلت إلى أبواب أسمرة، والجيش الإثيوبي ينتشر في كل مكان، وأصوات الرصاص والقذائف لا تكاد تنقطع، والكهرباء تنقطع لساعات طويلة، والمياه شحيحة، والناس يعيشون بين الخوف والترقب، ولا أحد يعلم ماذا يحمل الغد. لكن تلك الظروف كلها لم تمنع والدي ـ رحمه الله ـ من أن يمسك بيدي صباحًا، ويطوف بي على الدوائر الحكومية واحدة بعد أخرى. كان يخاطر بنفسه قبل أن يخاطر بي، واليوم أدرك أن تلك الأيام لم تكن مجرد مراجعات إدارية، بل كانت من أجمل الأيام التي عشتها معه. كنا نمشي معًا ساعات طويلة، ونتحدث كثيرًا، ولأول مرة شعرت أنه لم يعد يعاملني كطفل، وإنما كرجل يستعد لتحمل رسالة. كان يحدثني عن العلم، وعن مسؤولية العلماء، ثم يلتفت إليّ ويقول: “يا بني، أتمنى أن أراك يومًا فقيهًا يفتي بالمذاهب الأربعة.” لم يكن يحلم أن أصبح صاحب مال أو جاه، وإنما كان يحلم أن يراني من أهل العلم، وكان ذلك أعظم حلم يمكن أن يغرسه أب في قلب ابنه. وما زلت أراه أمام عيني وهو يقف بكل فخر أمام الموظفين، ممسكًا بيدي، ويقول لي: “لقد قبلت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.” وكانت كلماته تفيض اعتزازًا وسعادة، وكأن القبول كان تكريمًا له قبل أن يكون تكريمًا لي. أما والدتي ـ رحمها الله ـ فكانت تعيش مشاعر لا يجمع بينها إلا قلب الأم. كانت فرحتها عظيمة لأنها كانت ترى في هذه الرحلة نجاة لي من الخدمة الوطنية، ومن أجواء الحرب، وفرصة لأجاور مسجد رسول الله ﷺ وأتلقى العلم في المدينة المنورة. لكنها في الوقت نفسه كانت تخفي حزنًا عميقًا؛ كيف لا تحزن وهي تودع أصغر أبنائها الذي لم تشبع بعد من رؤيته؟ كانت تبتسم أمامي حتى لا تزيد خوفي، ثم إذا ابتعدت عنها رأيت الدموع تسبق الكلمات. وجاء صباح السفر، ذلك الصباح الذي لا يزال حاضرًا في ذاكرتي كأنه الأمس. كان البيت كله يعيش صمتًا ثقيلًا. وحين حان وقت الخروج، لم يستطع والدي أن يتمالك نفسه، فبكى بكاءً مريرًا، يحاول أن يخفي دموعه لكنها كانت أقوى منه. أما والدتي فكانت تردد الدعوات وتمسح دموعها بطرف ثوبها وهي تحاول أن تبدو قوية، وأخواتي يمسكن بيدي وكأنهن يرفضن أن أرحل. ثم جاءت السيارة التي ستقلني إلى مطار أسمرة، فتحركت ببطء، وكنت أنظر من نافذتها إلى الوجوه التي أحببتها، وأحاول أن أحفظ تفاصيلها في قلبي، دون أن أدري أن السنوات ستمضي طويلة قبل أن يجمعنا اللقاء مرة أخرى. في تلك اللحظة لم أكن أفهم لماذا يكتب الله على طالب العلم أن يبدأ رحلته بالفراق، أما اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، فقد أدركت أن كثيرًا من أبواب العلم لا تُفتح إلا بعد امتحان الصبر، وأن أعظم الرحلات تبدأ غالبًا بأصعب الوداعات. كان ذلك الوداع نهاية طفولتي، وبداية الطريق الذي رسمه الله لي؛ طريق بدأ من أسمرة، وكانت وجهته المدينة المنورة، وما بينهما كانت رحلة من لطف الله الخفي، لا يزال أثرها يرافقني إلى اليوم.



