تستثمر
المملكة اليوم بصورة غير مسبوقة في البحث والتطوير والابتكار والتقنية الحيوية، وتتجه بخطوات طموحة نحو بناء اقتصاد معرفي تكون فيه الملكية الفكرية والتقنيات الوطنية والشركات العلمية الناشئة جزءًا أصيلًا من التنويع الاقتصادي والسيادة الصحية.
لكن وسط هذا الحراك الكبير، يظل هناك سؤال يستحق أن يُطرح بموضوعية وشفافية:
من يأخذ بيد الابتكار عندما يخرج من المختبر؟
لدينا جامعات، ومراكز بحثية، ومستشفيات جامعية، وأودية تقنية، وشركات استثمارية تابعة للجامعات، ومراكز للدراسات السريرية، وحاضنات ومسرعات ومكاتب للملكية الفكرية ونقل التقنية. ومع ذلك، لا تزال هناك في بعض المؤسسات فجوة واضحة بين وجود هذه الكيانات تنظيميًا وبين قدرتها الفعلية على تحويل الاكتشاف العلمي إلى منتج واستثمار وشركة.
أودية التقنية… هل أصبحت أوديةً للابتكار فعلًا؟
الفكرة التي قامت عليها أودية التقنية في الجامعات فكرة متقدمة: إنشاء منطقة التقاء بين الجامعة والباحث والصناعة والمستثمر والسوق.
لكن نجاح وادي التقنية لا ينبغي أن يُقاس بمساحة المباني، أو عدد المكاتب المؤجرة، أو الاتفاقيات والفعاليات وحدها.
المقياس الحقيقي أكثر صعوبة:
كم بحثًا انتقل إلى السوق؟
كم براءة اختراع تحولت إلى منتج؟
كم شركة Deep Tech أو Biotech خرجت من مختبرات الجامعة؟
وكم ريالًا من الاستثمار الخارجي جرى جذبه إلى تقنية وُلدت داخل الجامعة؟
عندما تتحول بعض شركات أودية التقنية إلى كيانات يغلب عليها الاستثمار التقليدي أو إدارة الأصول والعقار، فإنها تبتعد عن أحد أهم أسباب إنشائها: تحويل المعرفة الجامعية إلى قيمة اقتصادية.
ولعل اللافت أن التوجه الوطني الحديث نفسه يؤكد ضرورة انتقال مناطق الابتكار من مفهوم إدارة العقارات والمرافق إلى مفهوم بناء منظومات معرفية متكاملة، يكون نقل التقنية وتسريع الابتكار والاستدامة المالية في قلب نموذجها التشغيلي.
الحلقة المفقودة ليست براءة الاختراع
كثيرًا ما نحتفي بعدد براءات الاختراع المسجلة، وهو أمر مهم، لكنه ليس نهاية رحلة الابتكار.
البراءة التي لا تجد طريقًا للتطوير والترخيص أو الاستثمار قد تبقى وثيقة قانونية أكثر منها أصلًا اقتصاديًا.
بعد تسجيل البراءة تبدأ المرحلة الأصعب: تقييم التقنية والسوق، وإثبات المفهوم Proof-of-Concept، ورفع مستوى الجاهزية التقنية TRL، وبناء النموذج الأولي، والتحقق المستقل من النتائج، ووضع استراتيجية تنظيمية وتجارية، ثم الوصول إلى مستثمر أو شريك صناعي.
وهنا تظهر فجوة تمويل الابتكار المبكر التي بدأنا نلاحظها بوضوح في السعودية.
الباحث لديه الفكرة، والجامعة قد تمتلك البراءة، والمستثمر يريد مشروعًا أقل مخاطرة؛ لكن من سيمول المسافة بين هؤلاء؟
هنا تحديدًا يجب أن يظهر الدور الحقيقي لشركات أودية التقنية.
وماذا عن مراكز الدراسات السريرية؟
في الابتكار الصحي والتقنية الحيوية، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.
فالمنتج الدوائي أو اللقاح أو التشخيص أو العلاج الحيوي لا ينتقل مباشرة من المختبر إلى السوق. إنه يحتاج إلى سلسلة طويلة من التحقق العلمي، والتطوير قبل السريري، والامتثال التنظيمي، ثم الدراسات السريرية بمراحلها المختلفة.
لذلك ينبغي ألا تكون مراكز الدراسات السريرية في الجامعات والمستشفيات مجرد جهات تستضيف دراسات ترعاها شركات خارجية.
هذا دور مهم، لكنه ليس كافيًا لبناء صناعة وطنية للابتكار.
الدور الأكثر استراتيجية هو أن تصبح هذه المراكز منصات وطنية للترجمة السريرية؛ تساعد الباحث السعودي والمبتكر والشركة الناشئة على تصميم الدراسات، وبناء البروتوكولات، وتطوير المسار التنظيمي، وإدارة البيانات، وإجراء الدراسات المبكرة، وتوليد الأدلة التي يحتاج إليها المستثمر والمنظم والصناعة.
والمملكة تمتلك فرصة حقيقية هنا؛ فقد شهدت طلبات الدراسات السريرية المتعلقة بالعلاجات المتقدمة ومنتجات التقنية الحيوية نموًا بنسبة 83% خلال عام 2025، كما ارتفعت الدراسات السريرية المبكرة بنسبة 39%. وهذه مؤشرات تؤكد أن البيئة السريرية السعودية أصبحت أكثر استعدادًا، لكن التحدي هو تحويل جزء أكبر من هذه القدرة إلى تطوير الابتكارات الوطنية نفسها. (SPA)
من Clinical Trial Center إلى Translational Innovation Center
نحتاج إلى إعادة التفكير في وظيفة بعض مراكز الدراسات السريرية.
فبدل أن يكون السؤال:
كم دراسة سريرية استضفنا؟
يصبح:
كم ابتكارًا سعوديًا ساعدنا على الوصول إلى الإنسان؟
هذا التحول البسيط في السؤال يغير فلسفة المركز كاملة.
ويعني أن يعمل المركز منذ المراحل المبكرة مع الباحثين، ومكاتب نقل التقنية، وشركات أودية التقنية، والجهات التنظيمية والمستثمرين، بحيث تتكون داخل الجامعة سلسلة مترابطة:
Discovery → IP → Proof-of-Concept → Preclinical Development → Regulatory Pathway → Clinical Validation → Licensing/Startup → Investment → Market
أما إذا عمل كل كيان منفردًا، فقد تكون لدينا جميع مكونات منظومة الابتكار، ولكن من دون منظومة حقيقية.
المشكلة ليست في نقص الكيانات… بل في غياب الجسر
لدينا الباحث، والمختبر، والجامعة، والمستشفى، ووادي التقنية، ومكتب نقل التقنية، ومركز الدراسات السريرية، والمستثمر.
لكن السؤال الأهم:
من يملك مسؤولية عبور الابتكار كامل الرحلة؟
لا ينبغي أن يضطر الباحث إلى طرق باب كل جهة منفردًا، ولا أن يتحول العالم إلى خبير في تأسيس الشركات والتمويل والتنظيم والتسويق حتى يرى اكتشافه النور.
في المنظومات المتقدمة، هناك من يتولى هذه الرحلة معه.
وهناك نماذج وطنية مهمة يمكن البناء عليها؛ فجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، على سبيل المثال، تعرض مسارًا يبدأ بالإفصاح عن الاختراع وتقييمه وحماية ملكيته الفكرية، ثم تطويره وإثبات المفهوم، وصولًا إلى التسويق والترخيص والاستثمار في الشركات الناشئة. (KAUST)
وهذا هو الاتجاه الذي ينبغي تعميمه وتطويره بما يناسب طبيعة كل جامعة وتخصصاتها.
نحتاج إلى مؤشرات أداء جديدة
ربما حان الوقت لأن تتغير مؤشرات أداء شركات أودية التقنية ومراكز نقل التقنية والدراسات السريرية.
فبدل الاكتفاء بعدد الفعاليات والاتفاقيات وبراءات الاختراع والشركات المسجلة، ينبغي أن تشمل المؤشرات:
نسبة البراءات التي جرى ترخيصها، وعدد التقنيات التي عبرت مراحل TRL، وحجم تمويل Proof-of-Concept، وعدد الشركات المنبثقة من البحث الجامعي، والاستثمارات التي جذبتها، وعدد المنتجات الوطنية التي دخلت الدراسات قبل السريرية والسريرية، والإيرادات الناتجة عن ترخيص الملكية الفكرية.
هنا فقط نستطيع الانتقال من قياس نشاط منظومة الابتكار إلى قياس أثرها الحقيقي.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الجزر المنفصلة
المملكة لا ينقصها الطموح، ولا المواهب العلمية، ولا البنية التحتية، ولا الإرادة الوطنية.
ما نحتاج إليه في المرحلة المقبلة هو ربط هذه العناصر ببعضها.
أن يصبح وادي التقنية امتدادًا للمختبر وليس مجرد جار له.
وأن يصبح مركز الدراسات السريرية شريكًا في تطوير الابتكار الوطني، وليس محطة لتنفيذ الدراسات فقط.
وأن يصبح مكتب نقل التقنية مسؤولًا عن نقل التقنية فعلًا، لا تسجيلها فقط.
وأن يدخل المستثمر مبكرًا، وأن تتوافر صناديق تتحمل مخاطر إثبات المفهوم والمرحلة الانتقالية.
المباني لا تصنع واديًا للتقنية
إن بناء اقتصاد قائم على المعرفة لا يتحقق بكثرة الكيانات، بل بجودة الروابط بينها وبالنتائج التي تنتج عنها.
لذلك فإن النقد هنا ليس تقليلًا من الجهود الكبيرة التي تبذلها الجامعات والمؤسسات الوطنية، بل دعوة إلى الانتقال إلى المرحلة التالية من النضج.
فنجاح شركة وادي التقنية لا يُقاس بما تمتلكه من أصول فقط، بل بما حوّلته من معرفة إلى أصول اقتصادية.
ونجاح مركز الدراسات السريرية لا يقاس فقط بعدد الدراسات التي استضافها، بل بعدد الابتكارات الوطنية التي ساعدها على عبور الطريق نحو المريض والسوق.
لدينا اليوم فرصة تاريخية لصناعة منظومة سعودية متكاملة للتقنية الحيوية والابتكار الصحي.
لكنها تحتاج إلى أن نستبدل سؤال:
«كم أنشأنا من كيانات؟»
بسؤال أكثر جرأة:
«كم فكرة سعودية أخذنا بيدها من المختبر… حتى أصبحت منتجًا؟»
فقد تكون الفكرة موجودة، والباحث موجودًا، والمختبر موجودًا، ورأس المال موجودًا، والسوق ينتظر…
لكن ما ينقص أحيانًا هو الجسر.

