تجددت أزمة مياه النيل عقب تصريحات لوزير المياة الإثيوبي، دعا فيها إلى بناء المزيد من السدود بهدف تحقيق الاستفادة الكاملة من مياه النهر. وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار الخلاف حول سد النهضة، الذي يُعد من أكثر القضايا تعقيدًا في منطقة حوض النيل، نظرًا لاستمرار النزاع لسنوات طويلة دون التوصل إلى تسوية سياسية وقانونية نهائية ومستدامة، وتنبع أهمية هذه الأزمة من كونها لا تقتصر على الخلاف حول إقامة سد أو مشروع مائي، وإنما ترتبط بمجموعة من الأبعاد السياسية والقانونية والاقتصادية والأمنية، خاصة فيما يتعلق بحقوق دول حوض النيل في استخدام مياه النهر وتوزيعها، ومدى تأثير مشروعات دولة المنبع على مصالح دول المصب
الاتفاقيات التاريخية المبرمة حول نهر النيل:
شهد القرن العشرون إبرام عدد من الاتفاقيات المتعلقة بمياه نهر النيل، حيث كانت بعض هذه الاتفاقيات تتم في ظل الاستعمار، الذي كان ينوب عن دول المنبع ودول المصب. وبعد استقلال الدول المعنية، جاءت اتفاقية عام 1959 لتحدد حصص مياه النيل بين مصر والسودان.
ثم جاءت اتفاقية عام 1998، التي أكدت ضرورة قيام أي دولة ترغب في تنفيذ مشروعات على مجرى النهر بإخطار الدول المستفيدة. كما اشترطت موافقة هذه الدول على تلك المشروعات، بما يعني أن تنفيذ المشاريع كان مرتبطًا بتحقيق توافق بين الدول المعنية، مع امتلاكها حق الاعتراض أو ما يمكن وصفه بحق النقض.
وفي عام 2011، ظهرت اتفاقية عنتيبي، التي تبنت مبدأ الإخطار المسبق بالمشروعات بدلًا من اشتراط الحصول على موافقة مسبقة من الدول الأخرى. وبموجب هذا التوجه، لا تمتلك أي دولة حق النقض الذي يمكنها من عرقلة إقامة المشروعات التي تقوم بها دول المنبع.
الموقف الإثيوبي من الاتفاقيات:
ترفض إثيوبيا الاعتراف بالاتفاقيات السابقة لعام 2011، وتستند في موقفها إلى سببين رئيسيين. يتمثل السبب الأول في أنها لم تكن طرفًا في عدد من هذه الاتفاقيات، وبالتالي لا ترى نفسها ملزمة بها. أما السبب الثاني، فيتمثل في اعتقادها بأن بعض هذه الاتفاقيات تتعارض مع مسارها التنموي.
وترى إثيوبيا أن إقامة السدود على نهر النيل والاستفادة من موارده الطبيعية يمثلان حقًا سياديًا، ووسيلة أساسية للمساهمة في إخراج مواطنيها من الفقر وتحقيق التنمية الاقتصادية. كما يمثل سد النهضة مشروعًا استراتيجيًا في خططها التنموية، خاصة فيما يتعلق بتعزيز قدرتها على توليد الطاقة الكهرومائية، بما يساعد على تلبية احتياجاتها الداخلية ودعم اقتصادها. وتسعى إثيوبيا، من خلال تطوير قطاع الطاقة، إلى إمكانية التحول مستقبلًا إلى مصدر إقليمي رئيسي للطاقة.
الآثار السلبية المحتملة لبناء السدود بالنسبة إلى مصر:
تعتمد مصر على مياه نهر النيل بصورة كبيرة، إذ تمثل مياه النيل ما يقارب 90% من مواردها المائية، وهو ما يجعل اعتمادها على النهر شبه كلي. ومن ثم، فإن إقامة السدود على مجرى النيل، ولا سيما سد النهضة، تُثير مخاوف تتعلق بالأمن المائي المصري، وهو ما تنظر إليه مصر باعتباره تهديدًا للأمن القومي، نظرًا لما يمكن أن يترتب عليه من آثار اقتصادية واجتماعية وأمنية.
ويبدأ تأثير أي عجز مائي محتمل في مصر من القطاع الزراعي، إذ قد يؤدي انخفاض الموارد المائية المتاحة إلى تراجع الإنتاج الزراعي وتضرر المحاصيل. وينعكس ذلك من جانب أول على الأمن الغذائي، نظرًا لأهمية الإنتاج الزراعي في توفير احتياجات السكان من الغذاء، فضلًا عن كون القطاع الزراعي أحد القطاعات المهمة في الاقتصاد المصري.
ومن جانب آخر، فإن تضرر القطاع الزراعي قد يؤثر في المزارعين والعاملين فيه، وقد يؤدي إلى فقدان العديد منهم لمصادر دخلهم وارتفاع معدلات البطالة. ويمكن أن تترتب على ذلك آثار اجتماعية واقتصادية أوسع، بما في ذلك زيادة الضغوط المعيشية واحتمالية تصاعد حالة السخط الشعبي
في ضوء ما سبق، يتضح أن أزمة سد النهضة لا تقتصر على كونها خلافًا حول مشروع مائي، وإنما تمثل قضية متعددة الأبعاد تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والسياسية والاقتصادية والأمنية. فبينما تنظر إثيوبيا إلى السد باعتباره مشروعًا تنمويًا وسياديًا يسهم في تحقيق التنمية وتوفير الطاقة، ترى مصر أن أي تأثير جوهري في تدفقات مياه النيل قد ينعكس بصورة مباشرة على أمنها المائي والغذائي واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
ومن هنا، فإن استمرار الخلاف دون التوصل إلى تفاهمات واضحة وملزمة بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، وآليات التعامل مع فترات الجفاف، يظل مصدرًا للتوتر بين دول حوض النيل. ولذلك، تبدو الحاجة إلى حل سياسي وقانوني متوازن أكثر إلحاحًا، يقوم على مراعاة مصالح جميع الأطراف، وتحقيق التوازن بين حق إثيوبيا في التنمية والاستفادة من مواردها الطبيعية، وحق مصر والسودان في حماية أمنهما المائي. ويظل الحوار والتفاوض والتعاون الإقليمي السبيل الأكثر قدرة على الوصول إلى تسوية مستدامة تضمن الاستفادة من نهر النيل دون أن تتحول موارده إلى مصدر دائم للصراع بين دول المنطقة .

