«طلاليات»
لم يعد «إيوان المودة»، والذي يقام بالتعاون والشراكة مع صحيفة مكة الإلكترونية، ممثلة في رئيس تحريرها الزميل عبدالله أحمد الزهراني، مجرد مجلسٍ تُقام فيه الندوات واللقاءات الثقافية والأدبية والشعرية، بل أصبح خلال فترة وجيزة اسمًا حاضرًا في الأوساط الثقافية والأكاديمية، وعلى ألسنة الكتّاب والمثقفين والمهتمين بالشأن الأدبي.
وهذا الحضور اللافت لم يأتِ من فراغ، ولم يكن وليد الصدفة أو نتيجة عمل ارتجالي عابر، وإنما جاء ثمرة رؤية واضحة، وتخطيط دقيق، وحرص على أن يكون لهذا المنبر الثقافي حضورٌ يليق بما تشهده المملكة من حراك ثقافي متسارع.
والسؤال هنا: كيف استطاع إيوان المودة أن يحقق هذا النجاح، وأن يستقطب هذا الاهتمام؟
الإجابة تكمن في أن القائمين عليه أدركوا منذ البداية أن العمل الثقافي لا ينجح بكثرة المناسبات وحدها، ولا بعدد الحضور، وإنما بما يقدمه من قيمة حقيقية، وما يتركه من أثر في المتلقي.
ومن هنا جاءت برامجه ولقاءاته قائمة على الاختيار المتأني للموضوعات، واستضافة الشخصيات التي تمتلك تجربة علمية أو أدبية أو ثقافية ثرية، إلى جانب حسن إدارة الحوار، والابتعاد عن العشوائية والارتجال، وهو ما جعل كل لقاء يحمل مضمونًا جديدًا، ويضيف شيئًا إلى المشهد الثقافي.
ولعل من أبرز عوامل نجاح الإيوان أيضًا أنه لم يغلق أبوابه على نمط واحد من الثقافة، بل فتح مساحته للحوار بين الأكاديمي والمثقف والأديب والشاعر والإعلامي، فأصبح منصة تلتقي فيها التجارب والخبرات، وتتبادل فيها الأفكار، ويجد فيها كل مهتم ما يشبع نهمه المعرفي والثقافي.
كما أن اختيار الضيوف والموضوعات لم يكن قائمًا على المجاملة أو العلاقات الشخصية، وإنما على ما يمكن أن يقدمه الضيف من إضافة حقيقية، وهو ما جعل المتابع يشعر أن حضور أي فعالية في الإيوان يستحق الوقت والاهتمام.
والأهم من ذلك كله أن إيوان المودة جاء متناغمًا مع التحولات الثقافية الكبيرة التي تعيشها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030، التي جعلت الثقافة والمعرفة والإبداع جزءًا أساسيًا من مشروع التنمية الوطنية. ولذلك فإن وجود منابر أهلية وثقافية فاعلة تقدم المعرفة وتفتح أبواب الحوار يمثل إضافة مهمة إلى هذا الحراك المتنامي.
ولم يكن الحضور الإعلامي للإيوان أقل أهمية من برامجه؛ فالمناشط الثقافية إذا لم تصل إلى الجمهور، وتُوثق وتُقدم بصورة مهنية، فإن جزءًا كبيرًا من أثرها يبقى محصورًا في المكان والزمان. ومن هنا جاءت المتابعة الإعلامية لتمنح تلك اللقاءات عمرًا أطول، وتجعل ما يقال في الإيوان متاحًا للقراء والمهتمين، وتفتح المجال أمام من لم يتمكن من الحضور لمتابعة ما دار من حوارات وأفكار.
إن نجاح إيوان المودة يؤكد حقيقة مهمة: أن الجمهور الثقافي لا يزال موجودًا، لكنه يبحث عن المحتوى الجاد، والضيف المؤثر، والفكرة الجديدة، والحوار الراقي.
وحين يجد الجمهور ذلك، فإنه يأتي من تلقاء نفسه، ويتابع، ويتفاعل، ويصبح هو الآخر جزءًا من صناعة النجاح.
ولذلك فإن الحضور المتزايد لمناشط إيوان المودة، والحديث عنه في الأوساط الثقافية والأكاديمية، واهتمام الكتّاب والمثقفين ببرامجه، ليست مجرد مظاهر عابرة، بل مؤشرات على أن الإيوان استطاع أن يبني لنفسه مكانة في المشهد الثقافي، وأن يحول فكرته من مجرد لقاءات إلى مشروع ثقافي له شخصية وحضور ورسالة.
وهنا تكمن قصة النجاح الحقيقية…
فليس المهم أن تقيم فعالية، وإنما المهم: ماذا قدمت؟ ومن استضفت؟ وماذا أضافت؟ وماذا بقي منها في ذاكرة الحضور؟
وإيوان المودة، فيما يقدمه من ندوات ولقاءات أدبية وثقافية وشعرية، استطاع أن يجعل لهذه الأسئلة إجابات واضحة، وأن يثبت أن العمل الثقافي، حين يقوم على الفكرة الجيدة، والتخطيط، وحسن الاختيار، والمتابعة الإعلامية، والاحترام الحقيقي لعقل المتلقي، قادر على صناعة حضور يستمر ويتسع.
وهذا هو النجاح الذي يستحق أن يُحتفى به… نجاح الفكرة حين تتحول إلى أثر، والمنبر حين يتحول إلى وجهة، واللقاء حين يتحول إلى ذاكرة ثقافية جميلة.

