كتاب الرأي

المنبر الذي بنى امة

بنى النبي ﷺ في المدينة مسجدا، لكنه في الحقيقة كان يبني أكثر من جدران؛ كان يؤسس مركزا لصناعة الإنسان وتشكيل الوعي وبناء المجتمع. ومن مسجد النبي ﷺ بدأت واحدة من أهم التجارب الحضارية في التاريخ الإسلامي، إذ لم يكن المسجد فضاء للعبادة فحسب، بل كان مدرسة للعلم والتربية، ومجلسا للشورى، ومجالا للإصلاح، ومنطلقا للتكافل، ومركزا لتنظيم شؤون المجتمع. ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين المسجد وصناعة الدولة؛ فالدولة لا تبدأ من مؤسساتها، وإنما تبدأ من الإنسان الذي يحمل قيمها ويصنع مستقبلها.

لقد كان مسجد النبي ﷺ يصنع الإنسان قبل أن يصنع النظام؛ يحرر عقله من الجاهلية، ويرفع مكانة العلم، ويؤسس معنى المسؤولية، ويربط الإيمان بالسلوك والعمل. ولذلك لم تكن المدينة مجرد تجمع سكاني، بل تحولت تدريجيا إلى مجتمع تحكمه منظومة من القيم والعلاقات والحقوق والواجبات.

وهنا تكمن الرسالة المعاصرة للجامع: ألا يكون مكانا لحفظ الموروث فقط، بل فضاء لإنتاج الوعي. فالخطبة ليست كلمات تنتهي بانتهاء الصلاة، وإنما يمكن أن تكون صناعة أسبوعية للعقل والضمير، تربط الدين بقضايا الإنسان، وتغرس قيم العمل والإتقان والعدل والرحمة والتعايش والمسؤولية الوطنية.

إن التنوير لا يعني تجاوز الثوابت، بل استعادة قدرتها على مخاطبة العصر. والمنبر المستنير لا يكتفي بأن يخبر الناس بما ينبغي أن يفعلوا، بل يفتح أمامهم طريق الفهم والتفكير والمسؤولية.

فإذا كان مسجد النبي ﷺ قد أسهم في صناعة مجتمع أصبح نواة دولة وحضارة، فإن الجامع المعاصر قادر على استعادة هذا الدور: أن يصنع إنسانا واعيا، ومجتمعا راقيا، ووطنا متماسكا، وحضارة تستمد قوتها من إيمانها وعقلها وأخلاقها

أ. د. عايض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى