المقالات

المعلم المتسامح.. سرٌّ لا يُنسى في صناعة الموهبة

خلال عملي مديرًا لرعاية الموهوبين بتعليم جدة، عُرض علينا ترشيح طالب من الصف الثاني الثانوي للمشاركة في رحلة علمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن برنامج للنادي العلمي السعودي.

ولم يكن اختيار الطالب أمرًا عابرًا؛ فقد جاء بعد الاستناد إلى نتائج مقاييس الكشف عن الموهوبين، إلى جانب التحصيل الدراسي، ليكون الطالب ممثلًا لمشروع رعاية الموهوبين في هذه الرحلة العلمية.

وقبل سفره، عقدت معه لقاءً خاصًا، وقلت له:
«أنت في هذه الرحلة لست مجرد زائر، بل أنت زائر باحث؛ وقد تختلف عن بقية الطلاب، لأنك تمثل مشروع رعاية الموهوبين، وتم اختيارك بناءً على معايير علمية. لذلك أرجو منك أن ترصد يوميًا كل ما تراه وتلاحظه، وأن توثق مشاهداتك بالصور، وأن تعد تقريرًا يوميًا عن تجربتك وملاحظاتك، ثم تجمع هذه المادة في نهاية البرنامج وتخرج منها بتقرير شامل تستفيد منه أنت ويستفيد منه الآخرون».

وكانت الرحلة حافلة بالمحطات العلمية المهمة، ومن أبرزها زيارة وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، إلى جانب عدد من المواقع والمؤسسات العلمية.

وبعد نحو عشرين يومًا، عاد الطالب إلى جدة، وزارني في مكتبي، حاملاً تقريره.

وما إن وضعت يدي على التقرير حتى فوجئت بحجمه، ثم ازدادت دهشتي عندما تصفحته؛ فقد كان حافلًا بالصور والملاحظات والتفاصيل، ومكتوبًا بلغة ناضجة تفوق ما كنت أتوقعه من طالب في تلك المرحلة العمرية.

أثنيت على التقرير، وأبديت إعجابي بما أنجزه، ثم بدأت أتحدث معه عن تجربته، وعن أسباب تميزه، وعن الأسرار التي صنعت هذا النموذج المختلف من الطلاب.

وسألته عن سر تفوقه ونموه العلمي، فجاءت إجابته مفاجئة وعميقة.

قال لي:

«كنت محظوظًا بأنني تعلمت في الصف الأول والثاني الابتدائي على يد معلم واحد».

ثم أوضح أن المعتاد أن ينتقل الطالب في المرحلة الابتدائية من معلم إلى آخر، لكن من حسن حظه أن معلمه استمر معه لعامين متتاليين.

وتابع حديثه قائلًا إن هذا المعلم، بعد توفيق الله سبحانه وتعالى، كان أحد أهم الأسرار التي أسهمت في بناء شخصيته ودفعه نحو التفوق.

وهنا سألته: ما سر هذا المعلم؟

كنت أتوقع أن يذكر لي شيئًا من الصفات التي اعتدنا أن نصف بها المعلم المتميز: علمه، أو قدرته على الشرح، أو تميزه، أو اهتمامه بالطلاب، أو حرصه على تحصيلهم.

لكنه قال كلمة واحدة كانت جديدة عليّ، وبقيت عالقة في ذهني:

«كان معلمًا متسامحًا».

استوقفتني العبارة.

فصفة «التسامح» ليست غالبًا أول ما يتبادر إلى أذهاننا عندما نتحدث عن صفات المعلم المتميز، ولذلك سألته مباشرة:

«وما سر تسامحه؟»

فأجاب إجابة أدهشتني أكثر:

«كان صدر معلمي يتسع أكثر من صدر والدي ووالدتي».

ثم أخذ يشرح أن طفل المرحلة الابتدائية كثير الأسئلة، كثير الحركة والنشاط، وقد تصدر منه الفوضى والأخطاء بحكم عمره وطبيعته، لكن معلمه كان يستقبل كل ذلك برحابة صدر، ولا يجعل من الخطأ سببًا للنفور أو الخوف أو كراهية المدرسة.

وهنا أدركت أن الطالب لم يكن يتحدث عن «التسامح» بوصفه صفة أخلاقية فحسب، بل كان يتحدث عن بيئة تربوية آمنة صنعت لديه الرغبة في التعلم، وعززت دافعيته، ومنحته الثقة التي يحتاج إليها الطفل كي يسأل ويجرب ويخطئ ثم يتعلم.

والأكثر إثارة في حديثه أنه، وهو في الصف الثاني الثانوي، لم يستحضر أسماء معلميه الذين مروا عليه خلال سنوات الدراسة، ولم يتحدث عن المناهج أو الدرجات أو الشهادات، وإنما عاد بذاكرته إلى معلم الصف الأول الابتدائي، واعتبره أحد أهم أسباب ما وصل إليه.

كانت تلك اللحظة بالنسبة لي درسًا تربويًا لا يُنسى.

لقد أدركت أن بعض المعلمين يتركون أثرًا يتجاوز حدود المنهج والحصة والاختبار؛ لأنهم لا يعلّمون الطالب المعلومات فحسب، بل يصنعون داخله الرغبة في التعلم.

ومن هنا خرجت من ذلك اللقاء بقناعة راسخة:

إن من أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها معلمو الصفوف الأولية: التسامح.

ففي هذه المرحلة تحديدًا، لا يحتاج الطفل إلى معلم يعرف كيف يلقّن المعلومة فقط، بل يحتاج إلى معلم يتسع صدره لأسئلته، ويتفهم حركته، ويحتمل أخطاءه، ويمنحه فرصة المحاولة، ويشعره بأن المدرسة مكان آمن يمكنه فيه أن يتعلم دون خوف.

فالطفل الذي يخاف من الخطأ قد يتوقف عن السؤال، والطفل الذي يُقابل فضوله بالتوبيخ قد يخسر شغفه، أما الطفل الذي يجد معلمًا متسامحًا واسع الصدر، فقد يجد الطريق مفتوحًا أمام موهبته.

وربما لا يدرك المعلم في حينها حجم الأثر الذي يتركه في نفوس طلابه، وقد ينسى الطالب كثيرًا مما قيل له في سنوات الدراسة، لكنه لن ينسى غالبًا كيف جعله معلمه يشعر.

وقد يمر على المعلم عشرات ومئات الطلاب، ثم يكتشف بعد سنوات أن واحدًا منهم ما زال يحمل اسمه في ذاكرته، ويذكره باعتباره أحد الأسرار التي أسهمت في صناعة نجاحه.

وهذا هو المعلم الذي لا ينتهي أثره بانتهاء الحصة، ولا يغلق معه باب الفصل، بل يمتد أثره إلى مستقبل الطالب كله.

إنها رسالة إلى كل معلم في الصفوف الأولية:

قد لا تتذكر بعد سنوات كم درسًا شرحت، ولا كم اختبارًا صححت، لكن طالبًا واحدًا قد يتذكرك طوال حياته لأنك كنت متسامحًا معه عندما كان في أمسّ الحاجة إلى صدر يتسع له.

فكن ذلك المعلم.

أحمد سعيد الحُريري

مدير رعاية الموهوبين سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى