قبل حوالي خمسة عشر عامًا، كتبت مقالًا نُشر في جريدة «الجزيرة» آنذاك، عن فلسفة الإدارة في الجامعة، وكيف يتم تحقيق رسالة الجامعة وأهدافها وتطوير استراتيجيتها. وناقشت في ذلك المقال أن إدارة الجامعة، وكنت أعني ولا أزال أقصد رأس الجامعة، الذي كان يُسمى مدير الجامعة ثم أصبح يُطلق عليه رئيس الجامعة، هو الذي يشكّل الإدارة التي تنفذ سياسة الجامعة وأهدافها بالشكل والآلية التي يتبناها رئيس الجامعة، والذي هو الدينمو المحرك لتشريب مرؤوسيه فلسفته ورؤيته وتوجهاته، بما يملكه من إمكانات وقدرات شخصية وفنية وابتكارية، ومهارات إبداعية وقيمية. وهم في هذه الخصائص متفاوتون بحسب مبدأ الفروق الفردية.
وقد توصلت، بحكم خبرتي في معايشة ومتابعة العديد من إدارات الجامعات والعديد من المديرين، إلى تصنيف الإدارات، والتي يمثلها المدير أو الرئيس، إلى صنفين:
الأول هو المدير الروتيني المركزي المحوري المتسلط، الذي يعبد الروتين واللوائح بحرفيتها، ولا يسمح بتعدي وتفسير أي عمل أو إنجاز يتعدى شكل وحرفية اللوائح، ولا يسمح بأي اجتهادات أو إبداعات، ويخاف من أي مساءلة أو محاسبة في تبني أي عمل مبدع أو إنجاز يمكن أن يضيف لجامعته. ويعامل مرؤوسيه بريبة وحذر شديد، وبخاصة من هم صفوة المكونات الفكرية للجامعة، وهم أساتذة الجامعة والعلماء والباحثون.
وغير ذلك من الممارسات التي يتبناها مدير أو رئيس الجامعة، وتتبناها إدارته وأعوانه ومساعدوه الذين اختارهم أو فرضها عليهم. ولذلك غالبًا ما تكون مخرجات هذا النموذج من القيادة مخرجات روتينية عادية تفتقر إلى الفكر النير والمهارة المبدعة. وعندما تُقيّم أعمال ومخرجات مثل هذه الإدارة، نجدها تقبع في ذيل القائمة بحسب المستويات والمعايير المتطورة والاستراتيجيات الطموحة والرؤى النيرة.
وفي المقابل، فإن النوع أو النموذج الثاني من إدارة الجامعات، والتي تتمثل في رئيسها، هي التي تتسم بقيادة ذكية تمتلك مهارات وفن القيادة، والرؤية المستنيرة لمعنى إدارة جامعة ورسالتها وتحقيق أهدافها، واستثمار إمكاناتها والطاقات الظاهرة والكامنة فيها، من أساتذة جامعة أو طلاب أو موارد أو شراكات، أو جذب موارد إضافية، وكل ما يقود إلى النهضة والرقي والرفعة بالجامعة، وجعلها بيت خبرة ومحط اهتمام من مختلف الشرائح والمستويات.
ومن سمات ومكونات مثل هذه الجامعة، التي يقودها مثل هذا النموذج، الرضا السائد بين المنسوبين، وقوة الاعتزاز والارتباط والانتماء لهذه المؤسسة، والتفاني في العمل والإنجاز فيها ولها. ولا تتوافر مثل هذه السمات والمظاهر إلا في ظل قيادة بارعة وماهرة لمثل هذه الجامعة.
وكنتيجة لذلك نجد مخرجات مميزة وتنافسًا من الجهات الخارجية للجامعة، من داخل الدولة أو خارجها. وماذا نتوقع في تقييم مثل هذا النموذج من الجامعات من جهات التقييم والتمايز؟ ستكون في مقدمة الترتيب بلا شك. فجامعات مثل هارفارد وستانفورد وأكسفورد وكامبريدج وغيرها الكثير، كيف سادت وتأَلقت؟ إلا بقيادات جامعية مبدعة ومستنيرة وملهمة.
وليس المقام لتسمية أو ضرب أمثلة من النموذجين اللذين أشرت إليهما في بلدنا، ولكن أجد من الضروري الإشارة إلى نموذج واحد أعايشه الآن في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، حيث حظيت هذه الجامعة وتحظى بدعم غير محدود من بلد المقر، المملكة العربية السعودية، وفي الوقت نفسه حظيت الجامعة بقيادات ناجحة ومميزة في إدارتها.
وآخر هذه القيادات، وهو محل ومجال الإشارة والتركيز هنا، معالي الدكتور عبدالمجيد البنيان، الذي يتمتع بسمات قيادية وفنية وأخلاقية مميزة ونادرة. قاد الجامعة بفكر ورؤية مميزة، جعل منها، وممن يعمل معه، للجامعة معنى ومبنى تُشد إليها الرحال، حتى أصبحت بيت خبرة في المجالات الأمنية المختلفة، ليس على مستوى العالم العربي فقط، بل وعلى مستوى عالمي.
ويمكن الاستشهاد بقيادة إدارة هذه الجامعة من خلال الرؤى والتطلعات التي يحملها ويتبناها رئيس الجامعة، وتشكيل فريق العمل ممن حوله في تبنيها والعمل بها، ونتائج مخرجاتها.
ونحن في جامعاتنا في المملكة، وقد تم تخصيص بعضها والبقية في الطريق، ومع الاستقلالية التي يجب أن تحظى بها هذه الجامعات، يجب أن تحظى بالنموذج القيادي ذي السمات القيادية، لا الإدارية، للوصول بالجامعات إلى المكانة اللائقة عالميًا، وبما يتناسب مع ما تحظى به من إمكانات ودعم من قبل الدولة، أعزها الله.





